21 ديسمبر 2016

مقالات ساخرة: خواطر عن الشتاء


جاء الشتاء أخيراً بعد طول انتظار، لقد ملّ الناس الصيف بحرّه الحارق، وبقدرته على أن يغفو على أنفاسك، وبكائناته الودودة التي تبدأ بالذباب الطيار ولا تنتهي عند البعوض العضاض، لذا بدا الشتاء حلاً سحرياً قادر على أن يجعل الأكسجين أنقى، وبأن يقلص عدد الحشرات إلى الربع تقريباً، باستثناء الصراصير الطيارة فيبدو أن لها القدرة على تحمل كافة تقلبات الأجواء، ولن ينفع معها إلا بف باف تم صناعته في منظمة CDC العالمية أو بمنتج محلي أقل كلفة يُطلق عليه "الشبشب الطيار".. باستثناء ذلك فيبدو الشتاء مرحباً به عند الجميع.. فماذا يحمل لنا من مفاجآت يا ترى؟

لا يمكنك أن تستمع بدفء الشتاء، هذه حقيقة مؤكدة فرضتها علينا شركة الكهرباء في غزة، فلو كنت  ميسوراً و لديك مكيف فأين الكهرباء التي تشغله؟ ولو كنت كائن عادي يعيش ويتعايش ولديك دفاية، فأين الكهرباء التي تشغلها، أولئك المطحونين الذين يلجأون إلى خيار التدفئة بإشعال الفحم ربما لا يطلع عليهم الصباح، لأن أول أكسيد الكربون غاز صامت يختبئ وراء الستار ينتظر الانقضاض على النائمين فيقبض أنفاسهم للأبد! لذا يلجأ الجميع إلى الحلول العفوية، يرتدون خمسة أجواز من الجرابين، وتسعة بناطيل داخلية، وسبعة عشرة بلوزة صوفية مرسوم عليهم صورة ميكي ماوس، ونوعين من القفازات ذات الأصابع الطويلة، ولفحة مصنوعة من صوف الإبل لتدفئة الرقبة، وقبعة من الوبر المصفى المحلى بالقماش أو الجلد، وأخيراً غطاء للأذنين، والنتيجة هي أن الواحد منا يُصبح مثل كائن فضائي مسربل بالأغطية، فلا يبقى إلا أن يتحدث الألمانية لنتأكد أننا أمام غزو جديد لجنس لم يجابه مثله البشر قط..!

كل هذا جميل، لكن مع هذه الأغطية، فإن الحاجة إلى دخول الحمام تبدو عملاً بطولياً أكثر عمقاً من كل معارك الإكسندر المقدوني، وأكثر صعوبة من أوقات الألمان التي قضوها ينتظرون في صحراء سيبيريا الجليدية إبان غزو روسيا في الحرب العالمية الثانية، هذا لأنك مقبل على عمل شنيع، عمل خطير، عمل يستنزف مشاعرك وأحلامك قطرة قطرة..!

ثم من بعد انتهاء المهمة بأضرار جسيمة، وإعادة الدفء إلى أوصالك المتوفاة، تنزل إلى عملك أو دراستك، لتبدأ معركة أخرى من معارك الشتاء. أمام المنزل مباشرة تقبع بركة ماء مختلطة بمياه الصرف الصحي عمقها متران، ويسبح فيها قرشاً وتمساحاً وسمك البيرانا المتوحش، وعلى سطحها ما يبدو أنه بترول مكرر، وسفينة صيد بقبطان وطاقم على أعلى مستوى، فلا يتبقى إلا أن نكتشف قارة أطلانطس أسفلها لتكتمل الصورة!.. بمعجزة ما تخترق هذه البركة بطرق التفافية كأنك تتهرب من تركيا إلى اليونان، وما إن تعبر هذه المعمعة حتى تفاجئك سيارة سوبارو موديل 82 سائقها أعمى ولا يرى شيئاً إن كان مبصراً من فرط البخار على الزجاج الأمامي، فيسرع من أمام بقايا البركة التي أمامك فتنطلق حبات الماء كالرصاص في وجهك، فتبدأ بالغليان فتشعر بالدفء من هذا الغضب، فلا تعلم إن كنت ستشكره على ذلك أم تحوله إلى ورق مقوى نظير حماقته..!

ما إن تصل إلى هدفك حتى تبدأ الأمطار بالهطول، كأنكما عاشقان على موعد، فتجلس في مكانك مبتلاً كأنك عصفور يتيم، تفرك يديك وتنفخ فيهما لتحييهما، وحين تنظر من النافذة تجد أن المطر توقف، لقد أدى مهمته بنجاح وهي إعطائك حماماً مجانياً رغماً عنك. تعود إلى البيت لأن الجميع يعودون إلى بيوتهم كما هو معلوم، فلا وقت مناسب للتسكع ولا مجال لمراقبة الغروب الرومانسي، ثمة شيء أكثر أهمية من كل ذلك وهو أن تصل البيت وتدفن نفسك حياً تحت أطنان الأغطية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها..!

لكن الأشياء لا تقف عند ذلك، فيجب أن تستيقظ وتغادر الفراش لأنك إن لم تستيقظ فأنت لا زلت نائماً كما قال العبقري معمر القذافي، وهذا يعني أنك ستدخل مرحلة شكسبيرية بين "أكون أو لا أكون" و"تلك هي المشكلة"، فهذا قرار مصيري يلزمه إرادة صلبة وقوة تحمل خارقة، لأنك ستنتقل من تحت "أقبية النيران الدافئة" لتواجه " الموت في سيبيريا" بحركة واحدة، فعليك أن تكون هرقل لتنجز المهمة. لا شيء يجبرك على مغادرة الفراش الدافئ إلا أمر طارئ، قد يكون لديك امتحان مصيري، أو مقابلة عمل، أو لأنك ببساطة تريد الذهاب للحمام.!

ثم من بعد هذه المصائب التي لا تأتي فرادي، يفاجئك الزائر الوسيم ذو الألف وجه: "فيروس الانفلونزا"، لا تذكر أنك دعوته لكنه فرض نفسه عليك، وعاث خراباً في جسدك، لأنك في لحظة ما انتقلت من مكان حار إلى بارد، وهذا الفيروس لا يعطي فرصاً ثانية كي يباشر عمله، وإلا أصبح أضحوكة لدى الفيروسات الأخرى. فتقضي بقية أسبوعك وربما حتى أواخر الشتاء كما تقول إليسا وأنت تتناول البابونج والمرمية والأتروفين وعصير الليمون بالزنجبيل، وبلا فائدة في الغالب!

في لحظات كهذه، تتنهد منقبضاً وتدعو بصدق قائلاً: متى يأتِ الصيـف فنستريـح..!