من السهل على الإنسان أن ينسى نفسه، لكن من الصعب أن ينسى ديناً دخل جيبه .. لطالما قال له أصحابه، لا تستدين يا (وائل)، لكنه مصرّ ، إن تكاليف الحياة لا تطاق، وهو لديه حاجات ملحّـة؛ رسوم الدراسة، المواصلات، فاتورة الانترنت، فاتورة الجوال، بدل شجاعة، بدل تهور، بدل عزومة .. والحسابة بتحسب ..!
ذات يوم أتى إلى صديقه (رمزي) وأخبره بأنه بحاجة ماسة لا تقبل التأجيل إلى مبلغ (مائة شيكل) فقط .. مستردة في نهاية الشهر، والسبب أنه بحاجة إلى شراء ميموري جديدة لكمبيوتره العتيق ..! طبعاً أعطاه رمزي المائة شيكل إياها، فالصديق وقت الضيق كما تعلم، لكنه أخبره بأنه إن لم يردها في نهاية الشهر فإنه من الأفضل له أن يختفي عن وجه الكرة الأرضية لأنه سيحوله إلى كفتة ..!
وأتت نهاية الشهر بسرعة البرق، وحان وقت السداد، لكن لا حياة لمن تنادي، لقد اختفى (وائل) عن الأنظار .. المشكلة أن (رمزي) لم يعد يحمل أي بنس أو ما شابهه، لذا كان عليه أن يستدين هو الآخر من صديقه (محمد) المتزوج حديثاً .. وإن لم يفعل ذلك فإنه سيحترف التسول كباب آخر للرزق ..!
أما (محمد) فقد كانت جيوبه خاوية بعد تكاليف العرس والفدعوس والصالة والغداء... لكنه لن يبخل بآخر (مائة شيكل) على صديقه (رمزي)، وهو يعلم تماماً أنه سيضطر إلى سرقة هذا المبلغ من محفظة أبيه أثناء نومه، لكن ما يجعل ضميره لا يؤنبه أن والده قد أخذ منه نفس المبلغ قبل أشهر لشراء ثلاثة (كروزات) دخان مالبورو مصري معتق من صناعة 1945 ..!
كان (أبو محمد) رجلاً عصامياً، لكنه بعد أن أنفق ثلاثة أرباع ماله على عرس ابنه (محمد) بدأت سحب الإفلاس تخيم فوق داره، وقد فكرّ أنه إن لم يستدن مبلغاً وقدره (مائة شيكل) لآخر الأسبوع، فإنه سوف يضطر إلى تطليق زوجه ابنه أو قتلها (بدون دية) مع استرداد كامل المهر وبدون مؤخر أو عفش أو ما يحزنون .. لكنه رجل رقيق وسيرفض ذلك، لذا ذهب إلى أخيه الأنتيم (أبو أحمد) ليستدين منه مبلغ (مائة شيكل) فقط .. ولنهاية الشهر كالعادة ..!
أما (أبو أحمد) فقد كانت تجارته رائجة في عهد السلطة، لكنه الآن على وشك أن يعلن إفلاسه، لكنه يخفي ذلك لأسباب فنيّة، وقد كان يحمل آخر (مائة شيكل) في جيبه ليشتري أدوية للروماتيزم والغضروف والسكري الذي يعاني منها منذ فترة .. لكن بإمكان الدواء أن ينتظر، المهم أن ينقد أخيه (أبو محمد) من أزمته الخانقة ..!
الآن أصبح (أبو أحمد) في خبر كان، فلقد اشتد الألم عليه، وليس في جيبه بنس أحمر أو أخضر أو أصفر أو أي لون تفكر فيه، لذا لجأ إلى صديقه اللدود (أبو رمزي) ليستدين منه (مائة شيكل) فقط ، ووعد بأن يردها بأسرع وقت ممكن لكنه لم يحدد تاريخاً بعينه للأسف ..!
كان (أبو رمزي) في حاجة ماسة لكل بنس، والسبب أنه اشترى سيارة عتيقة الطراز صنعت في كوريا عام 1820، ويلزمها دفع قسطها الأخير خلال يومين .. لكنه لن يبخل على صديقه (أبو أحمد)، لذا أعطاه المائة شيكل، وقال في نفسه أنه سيأخذ نفس المبلغ من ابنه (رمزي) الذي يبدو أن يدخّر نقوده لدراسة الماجستير ..!
وحين جاء لابنه (رمزي) أخبره بأن آخر مائة شيكل أعطاها لصديقه (وائل) ليركب ميموري جديدة لجهازه ..
الان .. كما تبدو صورة المطاردات في الأفلام، نرى (وائل) بلباسه المهلهل يجري وسط أعواد القصب هارباً من مطارديه، الذين هم (رمزي، أبو رمزي، محمد ، أبو محمد، أبو أحمد) بعضهم يحمل سيفاً طوله مترين، وبعضهم يحمل مدفع بازوكا مضاد للطائرات، وخلفهم أولادهم وأحفادهم وأبناء الجيران والأصحاب وبقية الحارة، وكلهم لهم هدف واحد .. رأس (وائل) ..!
الموقف الصعب الذي سيواجههم أن (وائل) عداء بالفطرة، سريع كالغزال، رشيق كالفهد، والمشكلة أنه لا يحمل في جيبه المائة شيكل إياها ..! وأثناء جريه وسط عيدان القصب، اصطدم به عود قصب طويل أخضر لامع براق أشقر الشعر وله سكسوكة .. وضرب (وائل) في عينيه فأوقعه على الأرض وبدأ بالصراخ والعويل.. طبعاً كان من الأفضل له أن يترك عينه ويهرب من الجموع التي خلفه، لكن يبدو أن عينه ثمينة حقاً رغم أنها ليست مصنوعة من الألماس ..!
وحين رآهم يحيطون به، والشرر يرسم لوحة جهنمية من عيونهم .. سلمّ نفسه للقدر، وأطلق صرخته الأخيرة البائسة .. وقال متمتماً .. حتى أنت يا عود القصب معهم .. إذن .. فليسقط قيصر ..!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملاحظة/ في خيار (التعليق باسم)أدناه، يرجى اختيار (الاسم/عنوان الموقع) والاكتفاء بوضع الاسم فقط في حال رغبتك في ظهور الاسم الذي اخترته في التعليق.