في مؤتمر الكائنات
الدقيقة؛ يقف فيروس كورونا بين جموع الفيروسات الأخرى والبكتيريا والفطريات وثلة
من الكائنات أحادية الخلية مجهولة الهوية ويخطب فيهم قائلاً:
- أهذه
هي غزة التي قلتم أنها عصية على الدخول؟ لقد دخلتها.
ومن وسط التصفيق الحار،
أردف:
- نعم لم
يكن الأمر سهلاً، لكن كان ذلك متوقعاً، إن فتح القسطنطينية استغرق شهوراً طويلة
حتى نجح، وأنا لست أقل مثابرة ولا أنكى عزيمة، مع الصبر والحيلة، والحظ الجميل، نجحت
وغزوت أرضاً جديدة.
يقاطعه فيروس HIV وهو يفتك بجهاز مناعة صناعي عبر تقنية VR كي لا ينسى مهمته:
* جميل
يا عزيزي كوفيد 19، أنتَ تنال مرادك دائماً، أنتَ تستغل أقل الثغرات بشكل جيد، لكن
لماذا غزة بالذات أبهجتك دوناً عن باقي الدول؟ إنها نقطة في محيط نفوذك..!
- لكل
قائد عظيم منطقة عظيمة، يتوج بها ختام مسيرته، هذه المنطقة تكون الأصعب والأكثر
تعقيداً، وفتحها يجلب راحة نفسية وشعور بالعظمة، مثلما فعل أسلافي أيام الانفلونزا
الإسبانية المجيدة.
يتدخل فيروس الهربس
ويداعب شواربه الناعمة التي اكتسبها من خلية دماغية ويقول:
* لعمرُك
لقد فقتنا ذكاءً، لكنك تنسى أبسط قواعد الانتصار وهي أن تغدو الأرض التي تغزوها دماراً
وخراباً وخواءً بعد أن تكون فارهة في العز، شامخة في الغنى، سامقة في الرقي، باسقة
في التقدم والحضارة، هنا يكون للانتصار طعماً..!
- ماذا
تقصد أيها الهربس؟
* أقصد
عن أي عظَمة في غزة تتحدث؟ إنها already دماراً وخراباً وخواءً
قبل أن تدخلها وبعد أن جئتها، إنك مثل سمكة قرش تزوم حول قفص بداخله أسماك، فلما
نجحت بعد لأي؛ وجدت الأسماك ميتة already.
- أنتَ
تقلل من انتصاري لأنك لا تفقه شيئاً يا هربس؛ وتستخدم كلمات انجليزية بشكل frequent أوفر جداً، ربما لأنك
تغذيت على خلايا دماغية empty، ثقف نفسك أولاً، ثم انضح
بما في جوفك أيها البائس، سأخبرك بتأويل ما لم تسطع له فهما.
تتدخل بكتيريا
السالمونيلا في الحوار:
= يا
جماعة، أنتم فيروسات في بعض؛ هذا بالتأكيد شيطان دخل بينكم، إننا معشر البكتيريا
نحلّ خلافاتنا بود ولا نثير البلبلة.
في صوت واحد يرد
كوفيد 19 والهربس:
*- اخرسي
أيتها الشمطاء المقرفة..!
يخيم الصمت على مكان
الاجتماع لبرهة؛ فيخلع كوفيد 19 عويناته ويمسح عرقه الأسموزي كي يبدو خطيراً، ويشرع
مفسراً للدهماء والغوغاء ضيقي العقول من الحاضرين:
- يا
قوم؛ إن غزة عظيمة جداً لأنها تاريخ وجغرافيا، إن تهلهل جزءٌ منها فزع العالم بأجمعه،
إنها بوصلة ومركزية الأرض، وأنا أحبها جداً، كنت أظنها سابقاً مرفأً للرفاهية
وبؤرة للمجد، وصحيح أنها خراب ودمار الآن، لكن كبروا عقولكم إن كنتم تمتلكونها،
هذه منطقة لها روح خالدة وتاريخ مجيد، إن قيمتها المعنوية أكبر من كل الدول التي
غزوتها، وإن سيطرت عليها بأتباعي، فأنا تاريخ يُكتب وأدبٌ يُنثر وحكايات تُحكى، إن
الانتصار على ذوي العقول والإرادة والشجاعة لهو أفضل ألف مرة من الانتصار على ذوي
الميوعة والرطانة والسمنة، وهنا تكمن العظمة ذاتها.
حاول فطر كانديدا
أوريس أن يتماسك من التأثر إلا أن دموعه خانته، وقال:
= إن غزة
فيها ما يكفيها، وأرى أن ننسحب، أنا لا أمثل اتجاه المعارضة هنا، لكن انظر إليهم،
نحن نحيا في النور، وهم يتقاسمون سويعات من الكهرباء، نحن نجد طعاماً في كل مكان،
وهم يربطون خواصرهم من الجوع، نحن نسافر أحراراً، وهم يموتون من الحصار، نحن نبكي
على أحبائنا، وهم يتمنون أن يكونوا مكان الذين فقدوهم، صدقني يا كوفيد 19، أنتَ
لست بحاجة إلى هذه المنطقة، فارحل إني لك من الناصحين.
- لقد
تأثرت يا كانديدا باشا، أحضروا له بعض الكيلنكس ليجفف دموعه، ثم ألقوه في غيابات
المضاد الحيوي كي نرى إن كان له عزما. نحن لا نلعب هنا، نحن قضاء الله، وقضاء الله
نافذ، نحن لسنا بلاءً أو ابتلاءً، نحن سيُرنا إلى ها هنا رغماً عنا، وما سيحدث بعد
ذلك ليس لنا فيه يدٌ ولا نتوء. سوف نستمر لأن هذه مهمتنا، وسواء علينا جزعنا أم
صبرنا، لقد صرنا أمراً واقعاً.
يخيم صمتٌ آخر على
الحاضرين، يقطعه فيروس إيبولا وهو يُدلي بدلوه:
= دعونا
نضع النقاط على الحروف، ونسوّي خلافاتنا بأن نمسك العصاة من المنتصف، كوفيد 19 في
غزة الآن، وهذا حقه الطبيعي، لكن من حق الغزازوة أن يقاوموه حتى يقضي الله أمراً
كان مفعولاً، سوف تستمر يا كوفيد19 في انتشارك وانتصارك، لكن نحن سنقدم حلولاً
لأولئك التعساء كي نقلل خسائرهم قدر الإمكان، إنهم مختلفون عن باقي البشر، في أن
بقية البشر لا يعيرونهم اهتماماً، ربما نحنُ أحنَ عليهم من بني جلدتهم، إن الإنسان
كان ولا يزال أخطر مخلوق على وجه الأرض، لكن سكان غزة استثناءً؛ يجب أن نمنحهم بعضاً
من الإنسانية التي يحتاجونها، أي نصائح يا معشر الكائنات الدقيقة؟
·
أخبروهم أنهم بحاجة إلى الشمس كثيراً، والتهوية كذلك مفيدة جداً.
·
نحن لسنا مخيفين إلى هذا الحد، ولا نتشبث بالأحذية.
·
الصابون وحده كفيل بإبادتنا.
·
لا ننتقل إلا لو أصريت على ذلك، نحن لا نقفز أكثر من مسافة مترين.
·
تناول الليمون والثوم مفيد لصحتك أنت ويقوي مناعتك، لكنه لا يقتلنا لو
صرنا بالداخل.
·
أخبروهم أن الماكث في بيته له أجر شهيد.
·
وأخبروهم هذا الدعاء المحصن؛ ﻣﺎ ﻣﻦ ﻋﺒﺪ ﻳﻘﻮﻝ ﻓﻲ ﺻﺒﺎﺡ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ ﻭﻣﺴﺎء ﻛﻞ ﻟﻴﻠﺔ:"
ﺑﺴﻢ اﻟﻠﻪ اﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻀﺮ ﻣﻊ اﺳﻤﻪ ﺷﻲء ﻓﻲ اﻷﺭﺽ ﻭﻻ ﻓﻲ اﻟﺴﻤﺎء، ﻭﻫﻮ اﻟﺴﻤﻴﻊ اﻟﻌﻠﻴﻢ"
ﺛﻼﺙ ﻣﺮاﺕ، فلا يضره ﺷﻲء"
- الان فلنتوارى ولننتظر، لقد أضحت الكرة في ملعبهم الآن، من الغريب أن يصدر منك هذا الكلام يا إيبولا ونحن نعرف تاريخك المقيت.!
