23 يناير 2018

مقال: انطلق حراً


الطاقة لا يحبسها حدّ، النبتة تجد لها بين السلك الشائك منفد، فتورق، وعن جذرها تبتعد، والثمرة التي تعلو فوق هامة الأسى لا تنسى من أين أتت، من يوقف حباً يتمدد في الجذور، من يهزم رعشة تسري في الجسد وتدور...!
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل فتأمل، كيف يصير الموج الهادي هداراً، كيف تصير العشبة شجرة، كيف يصبح الواحد مع التسعة عشرة، من يولد صغيراً ثم لا ينطلق يموت صغيراً، والذي ينطلق وإن كان صغيراً فهو كبير، أما ترى في الصيف قوة الهجير وفي البرد سحر الزمهرير، فضع بصمتك في يومك، في هواءك وإحساسك، في فكرك وخطواتك، ضع بصمتك في التاريخ، لا تقف ساكناً تنتظر، فالماء الراكد آسن يأكله العفن، والذي يجري تعرفه المدن، فكن منذ اليوم فعالاً، لا تقل غداً. كن أنت فما خُلقت لكي تستكين، وما كبرت كي تعقد يديك وتعدّ العابرين، أما ترى في خلقك حكمة، فأصل الطين ماء ورمل، قوتان جارفتان هما أنت، فاصنع المستحيل!

طاقتك لا تحدها الحدود، اصنع من أفكارك مجدافاً يعبر فوق أسلاك حزنك، اصنع بيديك قارباً يأخذك إلى كل مكان، تعرف أن الأحلام بالمجان، لكن كل مجد تراه حولك صنعته فكرة ويدان. لا تلتفت للوراء، فلن ترى ما يشدك للإقدام، خلفك طريق معبد بالدماء، خلفك جيش من البؤساء، يمكنك أن تكون منهم فتعيش على أمل الرخاء، على الغد الذي قد يكون آمناً، أو قد يكون جهنماً حمراء. لكن بيديك صيّـر جيشاً، أطلق وحشاً، يأكل كل آفة تبقيك في بوتقة الفناء.
أنت حرٌ لتفعل ما تريد، من يُملي عليك وأنت الحكيم الرشيد، تروضنا العادات والتقاليد، لكن من يروض كينونتك في أن تكون ما تريد، أنت سيد قرارك وأمير اختياراتك وملك طريقك، فخذ من كل البساتين ما يقويك، واترك في صحراء اليأس كل ما يشجيك، لا تلتفت إلى طول الطريق، لا تتردد، فما أرداك في بادئ عمرك غير التردد، إن عزمت فتوكل، ودع الأيام تفعل ما تشاء، لكن كن فيها منارة ومجدافا، ضع فوق كل ذرة ألم علـَم، فكل الذي فوق التراب تراب، وتحت الترب تبْرٌ مهره العزم.

أترضى أن تعدّ الأيام عداً لا ترجو فيها جديد، بغير الطرق والحرق لا يلين الحديد، اقتل روتين التوجس وادفن إحساس التوهم، شمّر عن ساعديك وغامر، دع لعبة الدفاع لغيرك وهاجم، وإذا غامرت في شرف مروم، فلا تقنع بما دون النجوم، فكل خطوة في سلم المجد، لها طعم في النفس عظيم.

كن رساماً أو نقاشاً، كن طبيباً أو معلماً، كن لاعباً، العب دورك في الحياة لا كما يريدون بل كما تريد أنت، هذه حياتك، عشها بطريقتك، اقضي يومك كما شئت لكن عِد نفسك أولاً أنك ستكون حراً في اختيارك لتصنع الفارق في حياتك.

03 يناير 2018

مقالات ساخرة: أحمر أخضر..تم نهبك بنجاح

غزة الحبيبة العاتية التي لديها ميناء صدئ ووادي عِكر وسكان مكدسون كعلب السردين، أضحت كرنفالاً يحوي الحواة والمهرجين، كانت قرى متفرقة كأخواخ إفريقية، ثم غدت مدينة فيها البنيان يمتد والزحام يشتد، واليوم نصحو على غزة ليست غزة، إنما مستعمرة إعلامية، كمدينة كورية أو يابانية، هونج كونج مصغرة، في إعلاناتها التي تملأ الشوارع لا بجودتها لو كنت تسأل..!

بدأ ذلك منذ صارت الدعاية والإعلان منهج حياة، وأسلوب تعايش، أنت لا يمكنك أن تصير كياناً إلا لو أعلنت عن نفسك، سوف يتساءل الناس جميعهم عن سر الثقب في جواربك المشمشية إن أنت وضعت شارة إعلانية في شارع رئيسي تقول على سبيل المثال: "هناك ثقوب وثقوب، لكن ثقوب الجوارب المشمشية تختلف عن الألوان الأخرى" وسوف يعرف كل سكان الكوكب بذلك، قد تكون محظوظاً أكثر لتتناولك وكالات الأنباء لتعرف هذا السر الخطير..!

لا أعرف كم من هذا الهراء مرّ علينا، لكننا تساءلنا عن "سر المورينجا" وعن "كريم" وطبعاً عن صاحب الدعاية العبقرية "مين سليم؟".. وجميعها اتضح في النهاية أنها نكتة واهنة وجعجعة فارغة، فالمورينجا نبات غريب الأطوار فوائده موضع شك، وزيت الزيتون أفضل منه بمراحل في كل شيء. وكريم برنامج يستنزف مالك مدى الحياة، أما سليم باشا فهو انترنت شهم يدعوك ألا تسرق من الجار بل تدفع لشركة الاتصالات نقودك كي تتمتع بالخصوصية!.. وجميعهم لا يقيمون وزناً لك إلا مقدار ما تحمله في جيبك، وجميعهم كتب بالحبر السري أسفل هذه الشعارات: "أيها المواطن، ادفع لنا عليك اللعنة!".

كل هذا جميل، ويمكن تحمله، لكن مؤخراً بدأ إعصار إعلاني آخر، مبارزة القرن، الرجل الأخضر مقابل سبايدر مان، جوال مقابل الوطنية، جحافل الوطنية الحمراء تقف على الحدود منذ أشهر قائلة بأنها "جايين يا غزة" فتشعر بأنها تهدد وتتوعد لا لتنتشر، عبارة تحمل في طياتها ملامح حرب ضروس، فتشعر أن المغول قادمون، جيش يأجوج ومأجوج، هتلر بُعث من جديد وهو يتوعد غزة بأن يبيدها عن بكرة أبيها. ثم تبدأ بالانسياب والتسلل بإعلاناتها الحمراء اللون، تغزو شارعاً تلو الآخر، تحجب جزءاً من السماء وأجزاء من الأكسجين.. فماذا تفعل جوال، هل تسكت؟ بالتأكيد لا.. إن مسلسلاً من ردح النساء على وشك البدء، فلتسعد الجماهير لهذه التراجيديا الثورية، الحق يُقال أن الأمر شكسبيري بامتياز، تختلط فيه المشاعر ما بين الهلوسة والامتعاض، وما بين المقت والفجور، لكننا نشاهد كل ذلك في صمت، لقد شاهدنا عجائب أكثر، فلننتظر ما تتمخض به هذه المهزلة..!

ما بين أحمر وأحمر أخضر، وما بين أخضر وأخضر أحمر، هذا ما يشاهده العابرون كل يوم في شوارع غزة، إن الغزو الأحمر يلزمه دفاع استراتيجي من الكيان الأخضر، يقول الأخضر في نفسه، أنا وجدت هنا قبلك، أنا تاريخ ووطن، أنا الياسر، وأنا الحاضر، أنا الكاسر، فمن منكم يدنو أو يجسر؟ فيرد الأحمر بأنه ليست العبرة بمن سبق بل العبرة بمن صدق.. تراشقات إعلامية مهينة، فلكأنك تشاهد معرضاً للفن الهزلي..
فجأة صار المواطن هو أهم شيء في الكون، بدأت عروض جوال تنهال، كأن مغارة علي بابا فتحت أمامك وأخبروك بان تغرف ما تشاء، لا أعرف إذن لماذا أغلقتم المغارة كل هذه السنين؟ الآن وقد شعرت بعرشك يهتز آمنت بالشعب؟ لكني أعرف وأنت تعرف وهم يعرفون أنهم ينظرون إليك كرقم.. عملة تمشي على قدمين.. مجرد زبون آخر يملأ جيبي الممتلئ..!

بعد أيام سيدرك الجميع الفخ الذي وقعوا فيه جميعاً، يتحد الرجل الأخضر مع سبايدر مان في فيلم "المنتقمون"، هذا بالضبط ما سيحصل، وسيحجبون مزيداً من السماء، وأجزاء أكثر من الأكسجين.. وبذلك يتحقق انتقامهم المدروس.