06 ديسمبر 2017

قصة قصيرة: لافام فاتال


هو رجل عادي، يمشي كرجل عادي، يعمل كرجل عادي، لكنه ينام كرجل غير عادي، جسده المنهك يرفض الراحة، عيناه مفتوحتان للظلام، كيف يغفو، لا أحد يعرف ولا هو يتذكر، كل شيء يحدث في ثانية واحدة، يفتح عينيه كأنه ولد من جديد، ينظر في المرآة، يرى رجلاً عادياً آخر. هو فقط يشعر بشئ مريب يحدث له، إنه لا يتذكر كل شيء، ثمة جزء مفقود من ذاكرته، حتى اسمه يحتاج إلى ثانيتين كي يتذكره. وهناك شيء آخر، إنه يشعر أنه مراقب، يكاد يشعر بعينين تتبعان خطواته، فلما يلتفت لا يجد شيئاً، لكن يشعر بشيء خلفه دائماً.

في ذلك اليوم في عمله، كان منهمكاً بين أرتال الورق، أمام شاشة الكمبيوتر، إنه بارع ولديه حاسة سادسة قلما تخطئ، لذا حين عبرت الفتاة الباب ووقفت أمامه، أدرك أن فصول حياته على وشك أن تتغير. حين رفع رأسه لينظر إليها، توقف لثانيتين أمام عينيها، شعر أنه يغوص فيهما، كبحار فقد بوصلة الاتجاهات، تيار كهربائي سرى في أوصاله فتجمد الزمن للحظة. هاتان ليستا عينان عاديتان، إن فيهما قوة جذب رهيبة، مغناطيسيتان تسافران بك إلى اللانهاية. لكنه شعر بالخوف، هذا الإحساس شعر به من قبل، هذه القوة الهائلة هزت أوصاله فيما سبق، هل هي حالة (ديجافو) متقدمة، أم أن سحر عيناها يمتلك هذه الهالة الجبارة.

كان الجو بارداً، قطرات مطر تداعب وريقات الشجر. فلما ترجل من السيارة، كان الليل قد بدأ يرتدي عباءة الظلام، يمشي وحده في الطريق الترابي المؤدي إلى منزله، إنه الشعور ذاته يعود من جديد، هناك من يراقبه بالتأكيد، هذه المرة عرف من صوت الخطوات على الأرض المبتلة.

تصلب في مكانه، أدار رأسه إلى حيث الصوت، كان ضوء القمر عمودياً على الجسد الواقف أمامه، لم يرى الوجه، لكنه عرف أنها فتاة، ألف صوت يدعوه للهرب، لكنه لم يستمع، اقترب منها محاذراً متوجساً، فلما صار على بعد خطوة واحدة منها، قال بصوت متحشرج: من أنتِ ولماذا تتبعيني؟ رفعت وجهها قليلاً، فألقى القمر ضوئه على ملامحها، وعلى عينيها. كانت هي ذات الفتاة التي رآها في عمله، لم يجد وقتاً للمفاجأة لأنه اهتز وسرت رعشة في كل ركن من جسده إذ وضعت يدها على جبينه وقالت بهمس كالأفاعي: (لافام فاتال).

إنه رجل عادي، ينظر إلى المرآة فيرى رجلاً عادياً، لكن هذه المرة حين نظر إلى المرآة رأى أن عينيه لونهما مائل إلى الحمرة، وبؤبؤ العين أصبح عمودياً، ولديه شهية قاتلة لشرب الدم.

16 فبراير 2017

شعر: نهاية أمل يحبو


وأنا رجل لا يهوى الذلة
أو العذابات العذبة
لي في هذه الدنيا مبدأ
إن كان أنين القلب سيئ
فجنون العقل هو الأسوأ
وإن كانت حياتي قصيرة
فالآخرة مكاناً أوسع

الغد في علم الغيب
والماضي قد ضرب فأوجع
واللحظة ملك يداي
فماذا بها قد أصنع ؟

سأحبو شجاعاً في شارع
أصارع وحشاً لا يُصرع
اسميه "مستقبل مشرق"
هلامي بثمانية أذرع..
يعطيني شهيقاً مصبوغاً..
ويطلب مني أن أدفع..
أتلوى حوله أغصاناً..
ويطلب مني أن أركع..

حاولت كثيراً حاولت..
وفي إغماضة عيني سمعت..
كلمات في الصدى تتقطع..

عن جثة – بعد الموت – تتوجع!

15 فبراير 2017

مقالات ساخرة: الفالنتين في غزة

نحن في منتصف فبراير الآن، الشهر الغريب الأطوار، الذي قرر أن يتوقف عن شرب الحليب، فتوقف نموه عند الثامنة والعشرين، بخلاف الأشهر الأخرى التي استمرت في اتباع الحمية الغذائية حتى وصلت الثلاثين. فبراير المتذمر متهالك الأطراف، الشهر الذي ولد فيه رزمة من العظماء والمخابيل والسفاحين والفنانين وآلافاً من القطط الضالة.. لكنه رغم ذلك يمتلك مناسبتين عظيمتين، الأولى أني شخصياً قد ولدت فيه وهذا أمر كاف ليجعل التنانين ترقص طرباً فوق أفواه البراكين، وتتمايل ذيول السحالي على أنغام الغربان، والثانية أنه ينتشر فيه فيروس فتاك، اسمه العلمي هو (فالانتين) أما اسمه التجاري فهو (عيد الحب)..

لنترك المناسبة الأولى لأن كتب التاريخ سوف تقتلها بحثاً في المستقبل خاصة حين تضرب أمثلة عن التواضع، ولنركز على المناسبة الثانية، رجاءً اخفتوا اضاءة الغرفة، وعلوا إضاءة الشاشة فقط، فهذا يضعكم في الجو الذي أرجوه، ربما لو اخترت موسيقى كلاسيكية عتيقة في الخلفية فسيكون أمراً رائعاً، وهنا أرشح موسيقى فيلم (العراب) وتحديداً مقطوعة (speak softly love)، الآن وقد أصبح (الأتموسفير) متكاملاً.. استمع لما سأقوله لك جيداً... أيهـا الأبلـه..!

نعم بالتأكيد، لقد قرأت أنه فيروس، وأن اسمه (فالانتين)، سوف أترك العالم المحموم في الخارج يتداعى من هوله، ولأركز على بقعة جغرافية صغيرة اسمها (غزة) والتي أجزم أني لا أعرفها تماماً، فهي تتلون كالحرباء، ولن يكف سكانها عن إثارة دهشتي كل يوم.. جيد أنك نسيت أني نعتتك بالأبله سابقاً، وهذا يؤكد أنك مدهش وأنك تملك ذاكرة الذباب والسلام النفسي للعناكب.. لنعد إلى الموضوع يا عزيزي..
في الرابع عشر من فبراير قررت النزول إلى الشارع تلبية لرغبة الجماهير العريضة، وأقصد بالشارع هنا هو شارع عمر المختار في غزة، الشارع الذي يمثل لنا ما يمثله (خان الخليلي) للمصريين، أو (سوق عكاظ) للشعراء، أو (مول العرب) في الإمارات، أو (الفلوماركت) في النمسا، أو (الرينبو) في الأردن، أو (كاهاني مو تهاني) في الهند، وإن لم تصدقني في هذا الاسم فاسأل أي هندي ولسوف يحلف بالآلهة أنه لم يسمع عنه يوماً، لكنه موجود وهذه حقيقة أعرفها، ولا أريد أن أخبرك عن اسم الشارع الصيني، لأني لا أستطيع كتابته للأسف!

مشيت في الشوارع، شوارع غزة العتيقة، فكان اللون الأحمر هو المسيطر، دباديب حمراء تتدلى مشنوقة من واجهة المحلات، ورود حمراء غامقة بلاستيكية وطبيعية تتأرجح في الهواء، طنافس ومجسمات إغريقية ترقد منبهرة خلف الزجاج، واجهات ملطخة باللون الأحمر.. لكن.. كل هذا الأحمر هو في  محلات البيع التجارية، وليس في الشارع، ليس في المجتمع، إنه أمر تجاري بحت، واجهة كتاب خاوية لا تعبر عن المضمون، الناس لا يبدو أنهم يهتمون، كل الذين يمشون متفرجون على هذا السيرك ، فقط التجار يروجون لبضاعتهم وشعارهم (الأحمر يليق بك)، اشتري شيئاً أحمر أيها الحمار..!

والحمد لله وجدت شاباً حماراً يرتدي بلوزة حمراء، وفتاة بلهاء ترتدي منديلاً أحمر وفي يدها وردة لونها –بالصدفة- أحمر، رأيت كذلك حماراً حقيقياً يرتدي بنطالاً ساحلاً في رجليه الأماميتين لونه أحمر أيضاً.. هل هي صدفة أم أنه أمر دبر بليل؟ وأن هناك أناساً في غزة يحتفلون فعلاً بهذا (الفالانتيم)؟.. أم أن الملابس الحمراء سعرها أقل في السوق لأن الطبقة المستهدفة هي (الثيران)! .. جلست مع نفسي ثم قلت أن كل هذا مجرد مصادفات عابرة.. وأن مقياس اللون الأحمر لا يمكن أخذه كقاعدة قابلة للتعميم.. لكنك لا تملك إلا أن تتساءل.. ماذا لو ارتديت لوناً أحمر في هذا اليوم لأنه مناسب للون الحذاء.. أو لأن الملابس الأخرى في الغسيل، أو لأن لدي حالة خاصة من عمى الألوان وقد ظننته ليلكياً..؟ كيف سيراني الناس وماذا سوف يحدث؟

ولأني لست في أستوديو تحليل رياضي أو كيميائي، فسوف أقول ما يريح ضميري، رغم أن ضميري من النوع الذي لا يرتاح إلا بنسف الكرة الأرضية على من فيها، فأقول وبالله التوفيق أن النفس البشرية تتحرى أوقات الفرح في غزة، فبغض النظر عن كون هذا الفالانتايم فيروساً من أصول إيطالية وقصته شائنة آسنة من النوع الذي من المفترض أن يرجمها الناس بالبيض الفاسد، إلا أن ذلك لا يشكل فرقاً في جوهرها، فهي مناسبة للإبداع البشري وللسهوكة الرابضة خلف قناع الوحدة، وفرصة للتمثيل والتطبيل والتزمير وإخراج آفات النفس في قالب مغلف بقوانين عالمية منبثقة عن كويكبة من المتناقضات المتمترسة خلف آهات البؤس.. وليتكم لا تكرروا آخر كلمات لأنها تعويذة سحرية تحولكم إلى خرفان..!

دعني أخبرك شيئاً، لو كنت موجوداً على ظهر هذه الأرض قبل قرنين لكنت اخترعت عيداً للسحلية، ولأخبرت الناس أن السحلية كائن فائق الجمال يقع في حبه كل حشرات الأرض من الإنس، إنها ناعمة الملمس أخاذة النظرات، انسيابية صامتة في مقتبل عنفوانها، ولا تشيخ أبداً، هل رأيت في حياتك سحلية عجوز؟ أو سحلية تمشي على عكازين ومصابة بالشلل النصفي؟ لا أظن.. إنها رمز الكمال. سوف أروي ذلك للناس وأخبرهم أن سحلية ما قد اصطادتني بنظراتها الولهى وباهتزاز ذيلها المياس، وقبل قرنين كان محرم على البشر أن يقعوا في حب السحالي – حتى الآن أظن – وكان عقوبة ذلك هي رميهم في بئر الثعابين الخطرة ورشقهم ببيض النوارس، وبعض القبائل كانت تغطي عيون الآثمين بأجنحة الصراصير قبل أن يطلقوا عليهم فئران جائعة مستوردة..

لكن فرضاً أني نجوت من كل هذا وحكيت قصتي لسكان الأرض فتوارثتها الأجيال حتى وصلت إليكم.. سوف تصل إليكم بطريقة مختلفة، عن الحب المحرم، وسوف يضرب فيها المثل عن (العشق الممنوع) وهو أسمى أنواع العشق.. ليكون للعشاق عيداً متميزاً اسمه (عيد السحلية)، يأتي في منتصف ديسمبر من كل عام، وتقاليده أن كل عاشق يقدم لمحبوبته وردة صفراء كناية عن لون السحلية الرائع، وأروع هدية هو أن يقدم لها زوجين من فراخ السحالي البريئة، ليضعهم في البيت جلباً للفأل الحسن..

سوف تتزين المحلات بملصقات السحالي، وسوف يقوم أبطال الفوتوشوب بوضع مكياج صارخ على أعين السحالي الولهى لتبدو أكثر عمقاً وتأثيراً، سوف نرى مجسمات للسحالي جالسة على ذيولها بكل كبرياء، تنظر للأفق في هيام، وسوف يكتب الشعراء كلهم معلقات عن الإبداع الكائن في هذا الكائن، وسوف يرد عليهم شعراء معارضون ليتهموهم بأنهم يستغلون مثل هذه المناسبات الوطنية لتحقيق أغراضهم الدنيئة.. وسوف تكون دنيا..!

آما وقد انتهيت من خواطري عن (عيد السحلية) الذي أرجو أن يبدأ العمل به في هذا العام بديلاً عن المستهلك (الفالانتين)، فإني قد تعبت من المشي في شارع عمر المختار، وحان الوقت لتصفح الفيسبوك ورؤية آخر أخبار الفيروس.. فما الذي يمكن أن أره؟ لكن هذه قصة أخرى..!