القصة كما يرويها
الفيروس:
الحقيقة أني لم أتوقع
أن أحظى بكل هذه الشعبية في هذا الوقت الوجيز، أي بشري يعيش ويتعايش ولديه فيسبوك؛
على صفحته الرئيسية من 10 إلى 955 خبراً عنّي، فجأة صرت محور الكون وهادم الملذات
ومرعب الجماعات، مع أن حجمي أصغر ألف مرة من حرف النقطة على حرف الفاء هذا، وهناك
فيروسات أخطر مني بمراحل وأذكى مني بفراسخ وأفتك مني بأميال، لكن ربما ملّ البشر
من الفيروسات الآدمية التي يسمعونها أو التي يرونها أو التي يتخيلونها، حتى أتيتُ
أنا بلا ادعاء وبلا تزييف، معلناً عن نفسي، معلناً عن كينونتي بلا استعراض سافر أو
صوت ناشز، لقد جئت باحثاً عن وطن لأستوطن فيه، لكني في المجمل خطير، ومصدر خطورتي
هو أني أستطيع أن أطير بقليل من الدفع وعلى وسادات من الرذاذ، أحط على أي سطح
أشتهي، وأحيا هناك لبضع ساعات أو أيام، مع أني لست كائن حي في الأساس، في هذه
اللحظات الناعسة من الوحدة والبهرجة والرفاهية تأتي يد فألتصق بها، وأبحث عن ثغرات
في الجسم الآدمي لأدلف إلى الداخل حيث أبدأ في تكوين جيشي والتجهيز لترسانتي
الحربية، أفك شفرات الخلية، فتهاجمني بعنف، لكني تعلمت منذ أشهر كيف أتماهى
وأحارب، فلو كان دخول جسم الآدمي بداية المعركة فإني بعد أيام أصبح فيها
الإمبراطور المنتصر، فأنا عدو لم تجابه الخلايا مثله قط، أغير تكتيكي الحربي وأرسم
استراتيجيات جديدة، وأي معارضة وثورات من الخلايا في رئات الآدميين أخمدها فوراً
وأرسم طريق النور لأتباعي. أتباعي يخرجون من الجوف إلى الهواء، حيث يبدأ كل واحد
منهم في الحصول على جسد مضيف، ليغزوه وينصّب نفسه امبراطوراً مثلما فعلت. كما ترون
فإنني في حالة حرب مستمرة، والآدميون فعلاً مثيرون للشفقة.
طبعاً ليس هناك معارك
بلا خسائر، سلالتي الأولى كانت تفنى بسرعة، لكن الثانية تعلمت من أخطاء الماضي،
وصرنا أكثر ذكاءً وتحصناً، فاليوم نغزو الآدميين ولا يغزونا. وككائن ناشئ يشق
طريقه في الحياة، فإن معاركي القليلة التي انتصرت بها تستحق الذكر والإشادة، وأنا
واثق أنه لو توانت الظروف إلى شيء من الانتشار فلن يكون بمقدور أحد أن يوقفنا.
إننا نتكاثر بسرعة، ننتشر بسرعة أكبر، ونعرف من أي تؤكل الكتف.. أقصد الرئة. شهرتي
بلغت الآفاق، فليس هناك شبرٌ على الأرض إلا وقد سمع عنّي، وارتجف خوفاً من زيارتي
له. ولو كان يجوز لي أن أقتبس القول "نُصرت بالرعب" لكان أدق وصف
لحالتي. كل السبل الالكترونية تغلغلت فيها حروف كلماتي بكل اللغات المحتملة. حتى
صرتُ أتساءل لمن يقوم هؤلاء البشر بالتوعية إن كان كل واحد منهم يتحدث عن التوعية؟
هل يقصدون توعية سكان المجرات الأخرى؟ لا أعرف، لكن ذلك يزيد من غروري.
ولأني كيان مزلزل ولي
اسمي وسمعتي، فلقد بدأت الألسنة تلوك في سيرتي، ولكي يوقفوا بني جنسي عن الزحف
المهيب نحو السيطرة الكاملة على العالم فقد صعد الأطباء المنابر وأخبروا الجميع
بأن الوقاية خيرٌ من العلاج، وأن غسل اليدين وحفظ المسافات بين البشر يساعد في
ردعي. الحقيقة أني أخاف أن أعترف أن هذا حقيقي، لكن بربك أخبرني، من يملك ترف
الغسل ألف مرة في اليوم؟ سوف تتحول أياديهم إلى هياكل عظمية بعدما يذوب الجلد الذي
يغطيها من فرط أنواع الكحول والصابون والكلور، لكن في لحظة سوف يسهو أحدهم، لمرة
واحدة فقط، حينها أستغل فرصتي، فلم يُطلق عليّ اسم فيروس كورونا عبثاُ، سأتكور على
نفسي وأنزلق لتلك الفرصة هادماً ألافاً من الاحتياطات الطويلة، ممهداً الطريق
لأتباعي، عازماً على ألا تضيع دماء اخوتي الذين قضوا تحت الصابون سدى..!
أما التباعد
الاجتماعي كما يسميه البشر فهو أمر مضحك حقاً، إنهم كائنات اجتماعية بطبعها، ونزع
هذه الصفة منهم بمثابة انتزاع القلب والعقل فلا يبقى منهم إلا أجزاء متهالكة. إنهم
يثيرون شفقتي ويرسمون ابتسامة على جداري الدهني أحياناً، يغلقون مدارسهم الملآى
بالأطفال ذوي الجيش من خلايا النخبة، ويغلقون الجامعات الملآى بالشباب ذوي الجيش
من خلايا الصف الأول، وأماكن العمل ذات الموظفين المصابين بالوسواس القهري أصلاً،
ويتركون كل شيء آخر تقريباً مفتوح على الغارب، الراكب في سيارة الأجرة فرصة
ممتازة، فأنفاسه حتى لو لم يعطس كفيلة بإيصال أي فيروس آخر إلى حافة السيارة
الأخرى حتى لو كانت ينتمي إلى الفيروسات البطيئة العبيطة الخاملة، فما بالك بنا
معشر الكورونا. ثم إن البشر ملولون، لا يستطيعون العيش بلا تلامس، والتربيت على
الأكتاف مهم لأنهم جميعاً مهمومين، ثم إن لديهم كبرياء، يمنعهم من عدم المصافحة
والظهور بمظهر الرقيعين الذين ينصاعون لأوامر الأطباء الأكثر رقاعة..! هذا
بالتأكيد يسهل مهمتي أكثر من غسل اليدين بثاني أكسيد الحديد والإيثيلين والفلين
والدوبامين وخل التفاح والثوم الممهوق بشوارب نملة أرملة عاشت شهراً في سيبيريا قبل
أن تنتحر في صحراء أوكلاهوما فيأكلها نسر أمريكي يصطاده قناص أسترالي فيموت النسر
وعند تشريحه يستخرجوا منه تلك النملة فيأخذون شاربها لتكتمل الخلطة، وهو مركب كفيل
بالقضاء على الديناصورات نفسها لو أنها فرضاً تستعمر أيدي البشر.
اعذروني على
استطرادي، فنحن الكورونا نحب الشغب واستكشاف مواهبنا الدفينة، لقد رأيت صورتي تحت
المجهر بعد تكبيرها آلاف المرات، وهي جميلة جداً، الحقيقة أنني لا أحتاج لمكياج،
فأنا ملئ بالألوان الوهاجة، ولولا أنني في مهمة رسمية لوضعت صورتي على عملة أهل
الأرض بعد الفتك بهم وعلقتها في متحف اللوفر لكل الزوار من الفيروسات الأخرى
والبكتيريا وحتى الأميبا. إنني دوماً أتساءل عن كنه هؤلاء البشر، يعيشون على خيط
رفيع من الأمل، فإذا اهتز تساقطوا كالذباب، وأنا كنتُ ذلك الشئ الذي هزّ أمانهم،
فأضحوا مثل خراف مكتنزة في الحظيرة يتخبطون عشوائياً للخروج من المنفذ.
في رحلتي التي بدأت
من الصين، طفتُ كل ميادين القتال وخرجت منتصراً، انتصاري هنا هو انتشاري، وعنفواني
هو بقائي، والقافية هنا تجعل بروتيناتي تهتز لأنها تبدو كترنيمة فيروسية رائعة.
المهم أني مررت بكل مكان مأهول تقريباً وفتئت فيه فتكاً بمضاربي يمنى ويُسرى، حتى
غدا منهكاً من ضرباتي، لكني على أعتاب غزة
توقفت..!
تساءلتُ ما هذا
المكان، إنه أكثر مكان محصّن مررت به، لا يوجد فيه منفذ واحد، لابد أن السكان في
الداخل من أصحاب الثراء الفاحش يعيشون في يوتوبيا فائقة الإحكام، يتنقلون بحراً
باليخوت وجواً بالطائرات الهايبرد وبراً بسيارات الليموزين المعقمة، لابد أن
هواءهم مذابٌ فيه أيونات التيتانيوم وماءهم ممزوج بنترات الراديوم وأرضهم مطلية بالزبرجد
والعسجد والياقوت المسلح، كأنها صرح ممرد من قوارير. كل هذه الأفكار الفيروسية
مدتني بالإرادة والتصميم وبأن هذه هي معركتي التي خُلقت لأجلها، أن أغزو غزة كرهاً
لا طواعية، ناثراً أتباعي ومشرعاً مخالبي بين تلك الثلة المرفهة! فقط عليّ أن أجد
ثغرة، ثغرة واحدة في هذا السور المنيع.
أرسلت أتباعي ليلتصقوا بالقادمين إليها عبر المنفذ المحكم، محاولاتي باءت بالفشل، فلم يستطع أتباعي سوى الالتصاق بالقليل منهم الذين بقوا على حدود هذه المدينة المرفهة، لكن لم يدخل أتباعي هذه البلد بعد. إنه مستوى من التحدي يروقني ويشجع كل محاربي الكورونا العظماء الذي طافوا البلاد بأسرها كي يتجهزوا لمعركة فيصلية في تاريخهم، والهدف غزة.
سأتشاور الآن مع
القائد الأعلى للكورونا المسلحة، طالباً الإمدادات الفيروسية، ومطالباً بنخبة
متمرسة في إيجاد الثغور، لابد أن غزة هذه كنز من كنوز البشر، ومن يغزوها يتيه في
كنوزها حتى يرتوي، من يدري إن دخلناها فقد لا نخرج منها أبداً من فرط جمالها
وأناقتها، إنني أتخيل نفسي أمرح في قصر منيف، وأستحم بالجاكوزي، وأبدل ثلاث سيارات
في اليوم، وأرسل أتباعي بالتيليفريك بين جبالها وسهولها، ستكون هذه أم المعارك
وآخرها وأكثرها مردوداً.
وفي لحظة شجن فيروسية رحت أردد:
وفي لحظة شجن فيروسية رحت أردد:
مرَرْنا عَلى أرض
الغزازوة فرَدَّنا عَنِ الدارِ قانونُ الأعادي وسورُها
فَقُلْتُ لنفسي رُبما هِيَ نِعْمَةٌ فماذا تَرَى في غزة حينَ تَزُورُها
تَرَى كُلَّ ما لا تستطيعُ احتِمالَهُ إذا ما بَدَتْ من جَانِبِ الدَّرْبِ دورُها
فَقُلْتُ لنفسي رُبما هِيَ نِعْمَةٌ فماذا تَرَى في غزة حينَ تَزُورُها
تَرَى كُلَّ ما لا تستطيعُ احتِمالَهُ إذا ما بَدَتْ من جَانِبِ الدَّرْبِ دورُها
