غزة الحبيبة العاتية التي لديها ميناء صدئ ووادي عِكر
وسكان مكدسون كعلب السردين، أضحت كرنفالاً يحوي الحواة والمهرجين، كانت قرى متفرقة
كأخواخ إفريقية، ثم غدت مدينة فيها البنيان يمتد والزحام يشتد، واليوم نصحو على
غزة ليست غزة، إنما مستعمرة إعلامية، كمدينة كورية أو يابانية، هونج كونج مصغرة،
في إعلاناتها التي تملأ الشوارع لا بجودتها لو كنت تسأل..!
بدأ ذلك منذ صارت الدعاية والإعلان منهج حياة، وأسلوب
تعايش، أنت لا يمكنك أن تصير كياناً إلا لو أعلنت عن نفسك، سوف يتساءل الناس
جميعهم عن سر الثقب في جواربك المشمشية إن أنت وضعت شارة إعلانية في شارع رئيسي
تقول على سبيل المثال: "هناك ثقوب وثقوب، لكن ثقوب الجوارب المشمشية تختلف عن
الألوان الأخرى" وسوف يعرف كل سكان الكوكب بذلك، قد تكون محظوظاً أكثر
لتتناولك وكالات الأنباء لتعرف هذا السر الخطير..!
لا أعرف كم من هذا الهراء مرّ علينا، لكننا تساءلنا عن
"سر المورينجا" وعن "كريم" وطبعاً عن صاحب الدعاية العبقرية
"مين سليم؟".. وجميعها اتضح في النهاية أنها نكتة واهنة وجعجعة فارغة،
فالمورينجا نبات غريب الأطوار فوائده موضع شك، وزيت الزيتون أفضل منه بمراحل في كل
شيء. وكريم برنامج يستنزف مالك مدى الحياة، أما سليم باشا فهو انترنت شهم يدعوك
ألا تسرق من الجار بل تدفع لشركة الاتصالات نقودك كي تتمتع بالخصوصية!.. وجميعهم
لا يقيمون وزناً لك إلا مقدار ما تحمله في جيبك، وجميعهم كتب بالحبر السري أسفل
هذه الشعارات: "أيها المواطن، ادفع لنا عليك اللعنة!".
كل هذا جميل، ويمكن تحمله، لكن مؤخراً بدأ إعصار إعلاني
آخر، مبارزة القرن، الرجل الأخضر مقابل سبايدر مان، جوال مقابل الوطنية، جحافل
الوطنية الحمراء تقف على الحدود منذ أشهر قائلة بأنها "جايين يا غزة"
فتشعر بأنها تهدد وتتوعد لا لتنتشر، عبارة تحمل في طياتها ملامح حرب ضروس، فتشعر
أن المغول قادمون، جيش يأجوج ومأجوج، هتلر بُعث من جديد وهو يتوعد غزة بأن يبيدها
عن بكرة أبيها. ثم تبدأ بالانسياب والتسلل بإعلاناتها الحمراء اللون، تغزو شارعاً
تلو الآخر، تحجب جزءاً من السماء وأجزاء من الأكسجين.. فماذا تفعل جوال، هل تسكت؟
بالتأكيد لا.. إن مسلسلاً من ردح النساء على وشك البدء، فلتسعد الجماهير لهذه
التراجيديا الثورية، الحق يُقال أن الأمر شكسبيري بامتياز، تختلط فيه المشاعر ما
بين الهلوسة والامتعاض، وما بين المقت والفجور، لكننا نشاهد كل ذلك في صمت، لقد
شاهدنا عجائب أكثر، فلننتظر ما تتمخض به هذه المهزلة..!
ما بين أحمر وأحمر أخضر، وما بين أخضر وأخضر أحمر، هذا
ما يشاهده العابرون كل يوم في شوارع غزة، إن الغزو الأحمر يلزمه دفاع استراتيجي من
الكيان الأخضر، يقول الأخضر في نفسه، أنا وجدت هنا قبلك، أنا تاريخ ووطن، أنا
الياسر، وأنا الحاضر، أنا الكاسر، فمن منكم يدنو أو يجسر؟ فيرد الأحمر بأنه ليست
العبرة بمن سبق بل العبرة بمن صدق.. تراشقات إعلامية مهينة، فلكأنك تشاهد معرضاً
للفن الهزلي..
فجأة صار المواطن هو أهم شيء في الكون، بدأت عروض جوال
تنهال، كأن مغارة علي بابا فتحت أمامك وأخبروك بان تغرف ما تشاء، لا أعرف إذن
لماذا أغلقتم المغارة كل هذه السنين؟ الآن وقد شعرت بعرشك يهتز آمنت بالشعب؟ لكني
أعرف وأنت تعرف وهم يعرفون أنهم ينظرون إليك كرقم.. عملة تمشي على قدمين.. مجرد
زبون آخر يملأ جيبي الممتلئ..!
بعد أيام سيدرك الجميع الفخ الذي وقعوا فيه جميعاً،
يتحد الرجل الأخضر مع سبايدر مان في فيلم "المنتقمون"، هذا بالضبط ما
سيحصل، وسيحجبون مزيداً من السماء، وأجزاء أكثر من الأكسجين.. وبذلك يتحقق
انتقامهم المدروس.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملاحظة/ في خيار (التعليق باسم)أدناه، يرجى اختيار (الاسم/عنوان الموقع) والاكتفاء بوضع الاسم فقط في حال رغبتك في ظهور الاسم الذي اخترته في التعليق.