12 سبتمبر 2010

مقالات ساخرة : للعائلات فقط ..!




 وأخيراً جاء عيد الفطر السعيد، وهو بالمناسبة يأتي بعد شهر رمضان المبارك لو كنتم تعلمون، لكن هذه الحقيقة العلمية والفلكية والدينية قد تغيب عن حسبان البعض تبعاً لظروف وأسباب طبوغرافية تحياها غزة بشكل خاص.. والناس في هذا منقسمة إلى فسطاطين، الأول يقول بأنه سيتم تأجيل العيد هذا العام بسبب إغلاق المعابر والحصار، والبعض الآخر يقول بأن العيد سيأتي في موعده بعد مفاوضات شتى مع دول الإقليم، وبأنه في حال تعذرت المفاوضات فإنه سيتم تهريبه عبر الأنفاق ..!



وها أنا اليوم أحيا هذه اللحظة وأدرك بأن العيد بطريقة ما قد دخل غزة، والرأي الراجع في كيفية دخوله أنه أتى من سفن فك الحصار الأخيرة، حيث تم استضافته في أحد الفنادق ولم يصل الأمر للإعلام من حسن الحظ وإلا أخرجوه من مكمنه فأتى بعد منتصف رمضان أو في أول العشر الأواخر منه .. المهم أنه أطلق سراحه في الموعد المحدد أي بعد ثلاثين يوماً قضاها في الحبس الانفرادي في الزنزانة الرمضانية الجميلة ..!




وكمواطن غزاوي مخضرم، قررت أ;ن أخوض معركة العيد مع اثنين من الأصدقاء، لذا اتفق ثلاثتنا على  الذهاب إلى عاصمة النور والجمال والأضواء، وبالتأكيد ليست هي باريس التي أقصدها بل مدينة غزة .. وهي فعلاً عاصمة النور والجمال لكنها بدون أضواء لسوء الحظ، فالكهرباء كانت مقطوعة عن ثلاثة أرباع المدينة مما جعل الرؤية متعذرة نوعاً ما، كما أن أصوات مواتير الكهرباء لبعض المحلات أكدّت لنا أننا ربما سقطنا سهواً في خلاط أسمنت يمشي فيه الناس تائهون ..!



وصلنا للعاصمة، فاستقبلتنا جموع من البشر أكثر عدداً من جيوش الرومان في معركة مؤتة وجحافل المغول في معركة عين جالوت، لا أعرف من أين نبتوا لكنهم كثيرون جداً، وكلما حاولت أن أضع رقم تقريبي لعددهم وجدت أن الآلة الحاسبة الخاصة بجوالي غير قادرة على العد، لذا قسمت العدد على اثنين وضربته في الجذر التكعيبي لدخل الفرد وطوله ومقاس خصره ولون عينيه، فكان الناتج مذهلاً .. مليون وثلاثمائة وتسعة وأربعون ألف شخص بالتمام والكمال ..!



السؤال هو : أين ذهب الباقون ؟ فعدد سكان القطاع يقترب من حاجز المليون والنصف، وهذا يعني أن هناك مائة وواحد وخمسون ألف شخص ليسوا في الشارع ! أين ذهبوا؟ هذا هو السؤال الهوميري الذي طرحته على أصدقائي فأجابوني بأن بقية القوم ينتظرون عند مفترق الشفاء لإيجاد سيارة توصلهم لمنازلهم بعد أن لم يعد مكان فارغ لخطوة واحدة في شارع الجندي المجهول بمنتصف العاصمة..!



مشينا في الشارع المكتظ، طبعاً مشينا بطريقة المسطرة وليس بطريقة المشط، ولمن لا يعرف الفرق بين الطريقتين فأقترح أن يراجع القاموس الغزاوي الحديث النسخة 2010 ، لكن بشكل سريع فطريقة المسطرة هي أن تمشي مع أصدقائك بشكل طولي وطريقة المشط هي أن تمشي بشكل عرضي، ومن المستحيل لو أردت رأيي أن يمشي اثنين متجاورين; وإلا فإنهم عرضة لحوادث الاصطدام البشرية، ومن يزغ منهم عن طريقه يتلقفه (تكتك) متحمس أو فزبة يقودها عنترة بن شداد نفسه، ولن يجد من يسعفه لأن الناس مشغولة في إسعاف بعضها بسبب انعدام الأكسجين في المنطقة ..!



بعد ثلاث ساعات ونصف استطعنا أن نقطع المسافة بين مفترق الجندي ومفترق السرايا والبالغة مائة متر تقريباً، وهذا رقم قياسي حقاً فبعض الأصدقاء قالوا لنا بأنهم قطعوا نفس المسافة في عشر ساعات مع العلم بأنهم كانوا يركبون سيارة حديثة ..! المهم أننا قررنا أن نأخذ استراحة بعد هذا الإنجاز غير المسبوق، والاستراحة تعني أن تجد مكاناً تجلس فيه وتشرب قدحاً من القهوة أو زجاجة ماء على الأقل ..!



ذهبنا إلى أول مكان نسبة الازدحام فيه هي 88% وهي نسبة مقبولة لنا، كانت مكاناً أنيقاً يقدم القهوة، صعدنا على السلم لنصل إلى مكان الجلوس، ففاجئنا صاحب المكان بصوته إذ يقول : " لو سمحتم يا شباب وين رايحين ؟ " طبعاً هذا أغبى سؤال أتلقاه في حياتي، فنحن لسنا صاعدون لنصطاد الحيتان أو لنفتش عن محارات اللؤلؤ وإنما لتناول فنجان واحد من القهوة ..! فلما أخبرناه بهذه الحقيقة قال لنا متشفياً : " آسف ولكن اليوم للعائلات فقط "، وهذا يعني أن أي عدد من الرجال ليس معهم (حرمة) أو (أنثى) أو (مزة) فطريقهم مسدود مسدود مسدود ..!



كان طريقنا مسدود طبعاً، لذا مشينا والهوى رمانا إلى مكان آخر .. مطعم شعبي معروف أنه يفصل بين العائلات والشباب، طبعاً وصلناه ونحن على شكل جثث هامدة من شدة التعب، وحين صعدنا السلم قاب 4;نا أحد الموظفين البادية عليه علامات الإجرام الخالص، وأخبرنا بكل برود أعصاب بان اليوم " للعائلات فقط" فأخبرناه بأن هناك جناح للشباب فقط، فلم يجب لكنه نظر لنا نظرة من نوع بأن الأشياء تغيرت يا صغاري فاذهبوا العبوا بعيداً أفضل لكم ..!



في الطريق انتابنا خواطر إجرامية عن رغبتنا في تدمير كل هذه المطاعم والكافتيريات وفتح مقابر بدلاً منها، على الأقل يجد الناس مكاناً يرتاحون فيه، ولما وجدنا أن هذا الحل صعب فكرنا في فتح كافتيريا خاصة بالشباب فقط، واقترح أحدنا أن نسميها اسماً رائعاً لا يخطر على بال بشر وهو اسم (18+) بمعنى أنه للشباب فوق 18 سنة، لكننا خفنا من شرطة الآداب أن تسئ فهم المعنى لذا أكملنا حلمنا الإجرامي في تحويل المطاعم إلى مقابر وبدون ضريبة شريطة أن يكون الميت من الشباب فقط ..! وصلنا إلى مطعم آخر نسبة الازدحام فيه 79.6% وهي نسبة رائعة، وقبل أن ندخل سألنا البائع من بعيد عن مكان فأجابنا بأنه آسف لآن اليوم هو "للعائلات فقط " .. !

وهكذا مررنا ببائع البوظة وبائع الشاورما ومطعم نص كم ومطعم ربع نجمة ومطعم شعبي ومطعم تايلندي ومطعم صيني وكلهم شعاره " للعائلات فقط " ..!



تباً للعائلات هذه، لابد أن يحضر المرء معه أنثى كي يصبح عائلة ؟ أي قانون هذا، ففكرنا أن نستأجر عجوزاً من الغابرين فنصبح عائلة ونستطيع أن ندخل المطعم لكننا خفنا أن تطلب بدل نفقة وأن يكون العشاء على حسابنا لذا أبعدنا هذه الفكرة عن خاطرنا، وفكرنا أن هناك خلل في هذا اليوم فالعيد ليس مخصصا للشباب بل للعائلات فقط، وعلى الشباب أن يبحثوا لهم عن قط يتسلوا معه في صيد الفئران ..!



ماذا فعلنا بعد ذلك .. أمر بسيط يا أعزائي لقد عدنا أدراجنا إلى مخيمنا الذي يبعد عن غزة عشرين كيلو متراً واشترينا ثلاث كاسات بوظة باثنين شيكل فقط، لم يكن هناك ازدحام فكل الشعب في غزة كما تعلمون، ثم جلسنا على الحجار الأسمنتية المقابلة للبحر واستمتعنا بطعم الحرية والهدوء ، لقد كنا في غفلة إذ ظننا أن العيد في غزة، بينما هو مستلقِ هنا على أرض مخيمنا ..!

هناك 3 تعليقات:

  1. كل عام وانت بخير اول اشي
    تاني اشي اسلوب التدوينة كتير عجبني ! فيه خفة ظل وفكرة بتوصل بكل سهولة .. واضح انو كان العيد ضايع منكم وبعدين لقيتوه .. طب كويس انا عن نفسي لسه بدور عليه !

    ردحذف
  2. وأنتِ بألف خير علا..
    شكراً لمرورك على مدونتي، وأنا سعيد جداً بأنها أعجبتك .. بالنسبة للعيد كان يوم حافل فعلا، وأعتقد أني سأعتبر الدنيا عيد في حالة لم أجد مطعماً يستقبلني، أو عندما أجده ينتظرني في المخيم كما هو الحال كل يوم .. أما بالنسبة لك فأقترح أن تبحثي جيداً، فالعيد خجول كما تعلمين ويحتاج إلى استقبال يليق به .. حاولي ان تبحثي عند بوظة كاظم .. ربما تجديه راقداً في الثلاجة .. يصيـّـف :)

    ردحذف
  3. بارك الله فيك اخ محمود مدونتك جميلة وقد اعجبني اسلوبك جداًواباعك في اختيار الجمل والكلمات
    اما عن العائلات فحدث ولا حرج فأنا اقيم في السعودية وهذا الحال الذي وصفته فظظظظظظظظظيع ولكن في بعض الاحيان نجد هنا العكس حيث يوجد اماكن فقط وفقط للعزاب والشباب والعائلات تروح ع بيتها تنضب لان احسن للمرأة من الخروج من البيت وكثيراً ما بحثنا عن مكان للعائلات وبعدين قررنا انو البيت اوسع لنا؟؟؟؟ابدعت

    ردحذف

ملاحظة/ في خيار (التعليق باسم)أدناه، يرجى اختيار (الاسم/عنوان الموقع) والاكتفاء بوضع الاسم فقط في حال رغبتك في ظهور الاسم الذي اخترته في التعليق.