أعود بذاكرتي إلى الوراء، إلى أوائل العام المنصرم، بعد الحرب الأخيرة، والنفوس الشريرة، والأطراف المبتورة، والأماني المسجورة، والأحلام الموءودة، ومدخلات الحرب ومخرجاتها، والأنين والحنين، والتراب الأحمر، والسماء الفسفورية، وبقايا أطلال البيوت والمؤسسات ..
خلال تجوالي ذلك اليوم مع صديقي، كنا نسترجع الصورة الافتراضية لما كان، كان هنا بيتاً من أربع طوابق، كان هنا مستشفى، كانت هنا دكان، كان هنا سيارة، كان هنا منتزه أخضر، كان هنا شجرة زيتون وبجوارها نخلة، كان هنا أرض تطرح ورداً وفراولة، كان هنا شارعاً مسفلتاً، كانت هنا بيارة، كان هناك في الزاوية عمود نور عمره عشرين عاماً، كان في هذا البيت أطفال، كان هناك شاباً يافعاً له أحلام، كانت هناك فتاة تنتظر تخرجها، كان هناك أبُ كادح وأمٌ تغسل ملابس الشقاء في بستان النور، كان هناك أشياء كثيرة ..
تتقافز الرؤى بصوت الصراخ، بالرعب المكبوت في قلوب ساذجة، بالهلع الذي سطا فغشى الأعين والنفوس، بالذكريات المحروقة، بالشظايا والغبار الملون، بآثار الدمار المزلزل ..
وبينما نحن في معمعة الشجون، و لا زال في النفس منتجعاً للأحزان، والشحوب يغزو ملامح الشقاء بوجوهنا، مثقلين بآلام الشعب المكلوم، إذ بصديقي يسألني : محمود .. معك خمسين شيكل دين لآخر الشهر..
تمتمت بخفوت وقلت له : كان هناك واحدة ..!

ههههههههههههههه
ردحذف