هو رجل عادي، يمشي كرجل عادي، يعمل كرجل عادي، لكنه ينام كرجل غير عادي، جسده المنهك يرفض الراحة، عيناه مفتوحتان للظلام، كيف
يغفو، لا أحد يعرف ولا هو يتذكر، كل شيء يحدث في ثانية واحدة، يفتح عينيه كأنه ولد
من جديد، ينظر في المرآة، يرى رجلاً عادياً آخر. هو فقط يشعر بشئ مريب
يحدث له، إنه لا يتذكر كل شيء، ثمة جزء مفقود من ذاكرته، حتى اسمه يحتاج إلى
ثانيتين كي يتذكره. وهناك شيء آخر، إنه يشعر أنه مراقب، يكاد يشعر
بعينين تتبعان خطواته، فلما يلتفت لا يجد شيئاً، لكن يشعر بشيء خلفه دائماً.
في ذلك اليوم في
عمله، كان منهمكاً بين أرتال الورق، أمام شاشة الكمبيوتر، إنه بارع ولديه حاسة
سادسة قلما تخطئ، لذا حين عبرت الفتاة الباب ووقفت أمامه، أدرك أن فصول حياته على
وشك أن تتغير. حين رفع رأسه لينظر إليها، توقف لثانيتين أمام عينيها، شعر أنه يغوص
فيهما، كبحار فقد بوصلة الاتجاهات، تيار كهربائي سرى في أوصاله فتجمد الزمن للحظة.
هاتان ليستا عينان عاديتان، إن فيهما قوة جذب رهيبة، مغناطيسيتان تسافران بك إلى اللانهاية.
لكنه شعر بالخوف، هذا الإحساس شعر به من قبل، هذه القوة الهائلة هزت أوصاله فيما
سبق، هل هي حالة (ديجافو) متقدمة، أم أن سحر عيناها يمتلك هذه الهالة الجبارة.
كان الجو بارداً،
قطرات مطر تداعب وريقات الشجر. فلما ترجل من السيارة، كان الليل قد بدأ يرتدي
عباءة الظلام، يمشي وحده في الطريق الترابي المؤدي إلى منزله، إنه الشعور ذاته
يعود من جديد، هناك من يراقبه بالتأكيد، هذه المرة عرف من صوت الخطوات على الأرض
المبتلة.
تصلب في مكانه، أدار
رأسه إلى حيث الصوت، كان ضوء القمر عمودياً على الجسد الواقف أمامه، لم يرى الوجه،
لكنه عرف أنها فتاة، ألف صوت يدعوه للهرب، لكنه لم يستمع، اقترب منها محاذراً
متوجساً، فلما صار على بعد خطوة واحدة منها، قال بصوت متحشرج: من أنتِ ولماذا تتبعيني؟
رفعت وجهها قليلاً، فألقى القمر ضوئه على ملامحها، وعلى عينيها. كانت هي ذات
الفتاة التي رآها في عمله، لم يجد وقتاً للمفاجأة لأنه اهتز وسرت رعشة في كل ركن
من جسده إذ وضعت يدها على جبينه وقالت بهمس كالأفاعي: (لافام فاتال).
إنه رجل عادي، ينظر
إلى المرآة فيرى رجلاً عادياً، لكن هذه المرة حين نظر إلى المرآة رأى أن عينيه
لونهما مائل إلى الحمرة، وبؤبؤ العين أصبح عمودياً، ولديه شهية قاتلة لشرب الدم.

بعض الوحدة يختلق الوهم، وأكثره وهم منفتح على دواخلنا المظلمة وحاجاتنا التي لم تروى بعد.
ردحذف