02 أبريل 2021

حروب العقل والقلب

 

يقول العقلُ ودعها... فتلك ظلامها شامل

يقول القلبُ أنظرها... لعلّ غصنها مائل

فأقول أنا ويحكما... ما شأني بحربكما

ستمرّ بحور الأيام... تجرفني وتجرفها

وتبني بيننا حائل..!

فعدّ خطوط غفوتنا... في ممرات سكرتنا

وقل وحدي سأنبتها... جحيماً فوق بسمتها

فشرّع رماحاً أسّنتها.. فيها اللظى ظلتها

ونادي كل الذي زائل..!

وأحضر لي سكيناً... وإن جازفت فستينـا

وقل أعلنتها حرباً ... على أشجع من فينا

ولو كانت معه أفيالاً..

ولو كان معه تنينـا..

وأطلق من نبع الهوى وابل..!

وانسَ رقة مشيتها... واكظم غيظ ضحكتها

وقل حقاً سأفتقدك... يا صغيرة وسأفترسك

وسأشحذ نابي في عنقك..

وسأعلن نصري الهائل..!

دمعة على الأطلال


 ها أنتِ باكيةٌ على أطلالي..

قد كنتُ قصراً في كوخك المهترئ..

وفرشتُ قلبي ذهباً ولآلئاً..

ففـتـئـتِ نكراناً وهو ما فتئ..

ووصلتك حين القطيعة بجوارحي..

فاستعميتِ وكان سمُّـك منكفئ..

فرحلتُ لما خلتُك بائعة..

فرجوتِ رجاءً لم يجئ..

ما ضرك لو نبشتي كنوزي فملكتها..

لامعةً وكل الذي لديهم صدئ..!

26 أغسطس 2020

كلمة فيروس كورونا عن غزة في مؤتمر الكائنات الدقيقة الدولي

 


في مؤتمر الكائنات الدقيقة؛ يقف فيروس كورونا بين جموع الفيروسات الأخرى والبكتيريا والفطريات وثلة من الكائنات أحادية الخلية مجهولة الهوية ويخطب فيهم قائلاً:

- أهذه هي غزة التي قلتم أنها عصية على الدخول؟ لقد دخلتها.

ومن وسط التصفيق الحار، أردف:

- نعم لم يكن الأمر سهلاً، لكن كان ذلك متوقعاً، إن فتح القسطنطينية استغرق شهوراً طويلة حتى نجح، وأنا لست أقل مثابرة ولا أنكى عزيمة، مع الصبر والحيلة، والحظ الجميل، نجحت وغزوت أرضاً جديدة.

يقاطعه فيروس HIV وهو يفتك بجهاز مناعة صناعي عبر تقنية VR كي لا ينسى مهمته:

* جميل يا عزيزي كوفيد 19، أنتَ تنال مرادك دائماً، أنتَ تستغل أقل الثغرات بشكل جيد، لكن لماذا غزة بالذات أبهجتك دوناً عن باقي الدول؟ إنها نقطة في محيط نفوذك..!

- لكل قائد عظيم منطقة عظيمة، يتوج بها ختام مسيرته، هذه المنطقة تكون الأصعب والأكثر تعقيداً، وفتحها يجلب راحة نفسية وشعور بالعظمة، مثلما فعل أسلافي أيام الانفلونزا الإسبانية المجيدة.

يتدخل فيروس الهربس ويداعب شواربه الناعمة التي اكتسبها من خلية دماغية ويقول:

* لعمرُك لقد فقتنا ذكاءً، لكنك تنسى أبسط قواعد الانتصار وهي أن تغدو الأرض التي تغزوها دماراً وخراباً وخواءً بعد أن تكون فارهة في العز، شامخة في الغنى، سامقة في الرقي، باسقة في التقدم والحضارة، هنا يكون للانتصار طعماً..!

- ماذا تقصد أيها الهربس؟

* أقصد عن أي عظَمة في غزة تتحدث؟ إنها already دماراً وخراباً وخواءً قبل أن تدخلها وبعد أن جئتها، إنك مثل سمكة قرش تزوم حول قفص بداخله أسماك، فلما نجحت بعد لأي؛ وجدت الأسماك ميتة already.

- أنتَ تقلل من انتصاري لأنك لا تفقه شيئاً يا هربس؛ وتستخدم كلمات انجليزية بشكل frequent أوفر جداً، ربما لأنك تغذيت على خلايا دماغية empty، ثقف نفسك أولاً، ثم انضح بما في جوفك أيها البائس، سأخبرك بتأويل ما لم تسطع له فهما.

تتدخل بكتيريا السالمونيلا في الحوار:

= يا جماعة، أنتم فيروسات في بعض؛ هذا بالتأكيد شيطان دخل بينكم، إننا معشر البكتيريا نحلّ خلافاتنا بود ولا نثير البلبلة.

في صوت واحد يرد كوفيد 19 والهربس:

*- اخرسي أيتها الشمطاء المقرفة..!

يخيم الصمت على مكان الاجتماع لبرهة؛ فيخلع كوفيد 19 عويناته ويمسح عرقه الأسموزي كي يبدو خطيراً، ويشرع مفسراً للدهماء والغوغاء ضيقي العقول من الحاضرين:

- يا قوم؛ إن غزة عظيمة جداً لأنها تاريخ وجغرافيا، إن تهلهل جزءٌ منها فزع العالم بأجمعه، إنها بوصلة ومركزية الأرض، وأنا أحبها جداً، كنت أظنها سابقاً مرفأً للرفاهية وبؤرة للمجد، وصحيح أنها خراب ودمار الآن، لكن كبروا عقولكم إن كنتم تمتلكونها، هذه منطقة لها روح خالدة وتاريخ مجيد، إن قيمتها المعنوية أكبر من كل الدول التي غزوتها، وإن سيطرت عليها بأتباعي، فأنا تاريخ يُكتب وأدبٌ يُنثر وحكايات تُحكى، إن الانتصار على ذوي العقول والإرادة والشجاعة لهو أفضل ألف مرة من الانتصار على ذوي الميوعة والرطانة والسمنة، وهنا تكمن العظمة ذاتها.

حاول فطر كانديدا أوريس أن يتماسك من التأثر إلا أن دموعه خانته، وقال:

= إن غزة فيها ما يكفيها، وأرى أن ننسحب، أنا لا أمثل اتجاه المعارضة هنا، لكن انظر إليهم، نحن نحيا في النور، وهم يتقاسمون سويعات من الكهرباء، نحن نجد طعاماً في كل مكان، وهم يربطون خواصرهم من الجوع، نحن نسافر أحراراً، وهم يموتون من الحصار، نحن نبكي على أحبائنا، وهم يتمنون أن يكونوا مكان الذين فقدوهم، صدقني يا كوفيد 19، أنتَ لست بحاجة إلى هذه المنطقة، فارحل إني لك من الناصحين.

- لقد تأثرت يا كانديدا باشا، أحضروا له بعض الكيلنكس ليجفف دموعه، ثم ألقوه في غيابات المضاد الحيوي كي نرى إن كان له عزما. نحن لا نلعب هنا، نحن قضاء الله، وقضاء الله نافذ، نحن لسنا بلاءً أو ابتلاءً، نحن سيُرنا إلى ها هنا رغماً عنا، وما سيحدث بعد ذلك ليس لنا فيه يدٌ ولا نتوء. سوف نستمر لأن هذه مهمتنا، وسواء علينا جزعنا أم صبرنا، لقد صرنا أمراً واقعاً.

يخيم صمتٌ آخر على الحاضرين، يقطعه فيروس إيبولا وهو يُدلي بدلوه:

= دعونا نضع النقاط على الحروف، ونسوّي خلافاتنا بأن نمسك العصاة من المنتصف، كوفيد 19 في غزة الآن، وهذا حقه الطبيعي، لكن من حق الغزازوة أن يقاوموه حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، سوف تستمر يا كوفيد19 في انتشارك وانتصارك، لكن نحن سنقدم حلولاً لأولئك التعساء كي نقلل خسائرهم قدر الإمكان، إنهم مختلفون عن باقي البشر، في أن بقية البشر لا يعيرونهم اهتماماً، ربما نحنُ أحنَ عليهم من بني جلدتهم، إن الإنسان كان ولا يزال أخطر مخلوق على وجه الأرض، لكن سكان غزة استثناءً؛ يجب أن نمنحهم بعضاً من الإنسانية التي يحتاجونها، أي نصائح يا معشر الكائنات الدقيقة؟

·        أخبروهم أنهم بحاجة إلى الشمس كثيراً، والتهوية كذلك مفيدة جداً.

·        نحن لسنا مخيفين إلى هذا الحد، ولا نتشبث بالأحذية.

·        الصابون وحده كفيل بإبادتنا.

·        لا ننتقل إلا لو أصريت على ذلك، نحن لا نقفز أكثر من مسافة مترين.

·        تناول الليمون والثوم مفيد لصحتك أنت ويقوي مناعتك، لكنه لا يقتلنا لو صرنا بالداخل.

·        أخبروهم أن الماكث في بيته له أجر شهيد.

·        وأخبروهم هذا الدعاء المحصن؛ ﻣﺎ ﻣﻦ ﻋﺒﺪ ﻳﻘﻮﻝ ﻓﻲ ﺻﺒﺎﺡ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ ﻭﻣﺴﺎء ﻛﻞ ﻟﻴﻠﺔ:" ﺑﺴﻢ اﻟﻠﻪ اﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻀﺮ ﻣﻊ اﺳﻤﻪ ﺷﻲء ﻓﻲ اﻷﺭﺽ ﻭﻻ ﻓﻲ اﻟﺴﻤﺎء، ﻭﻫﻮ اﻟﺴﻤﻴﻊ اﻟﻌﻠﻴﻢ" ﺛﻼﺙ ﻣﺮاﺕ، فلا يضره ﺷﻲء"

- الان فلنتوارى ولننتظر، لقد أضحت الكرة في ملعبهم الآن، من الغريب أن يصدر منك هذا الكلام يا إيبولا ونحن نعرف تاريخك المقيت.!

25 مارس 2020

فيروس كورونا: قصتي مع غزة لم تنته بعد!



القصة كما يرويها الفيروس:
الحقيقة أني لم أتوقع أن أحظى بكل هذه الشعبية في هذا الوقت الوجيز، أي بشري يعيش ويتعايش ولديه فيسبوك؛ على صفحته الرئيسية من 10 إلى 955 خبراً عنّي، فجأة صرت محور الكون وهادم الملذات ومرعب الجماعات، مع أن حجمي أصغر ألف مرة من حرف النقطة على حرف الفاء هذا، وهناك فيروسات أخطر مني بمراحل وأذكى مني بفراسخ وأفتك مني بأميال، لكن ربما ملّ البشر من الفيروسات الآدمية التي يسمعونها أو التي يرونها أو التي يتخيلونها، حتى أتيتُ أنا بلا ادعاء وبلا تزييف، معلناً عن نفسي، معلناً عن كينونتي بلا استعراض سافر أو صوت ناشز، لقد جئت باحثاً عن وطن لأستوطن فيه، لكني في المجمل خطير، ومصدر خطورتي هو أني أستطيع أن أطير بقليل من الدفع وعلى وسادات من الرذاذ، أحط على أي سطح أشتهي، وأحيا هناك لبضع ساعات أو أيام، مع أني لست كائن حي في الأساس، في هذه اللحظات الناعسة من الوحدة والبهرجة والرفاهية تأتي يد فألتصق بها، وأبحث عن ثغرات في الجسم الآدمي لأدلف إلى الداخل حيث أبدأ في تكوين جيشي والتجهيز لترسانتي الحربية، أفك شفرات الخلية، فتهاجمني بعنف، لكني تعلمت منذ أشهر كيف أتماهى وأحارب، فلو كان دخول جسم الآدمي بداية المعركة فإني بعد أيام أصبح فيها الإمبراطور المنتصر، فأنا عدو لم تجابه الخلايا مثله قط، أغير تكتيكي الحربي وأرسم استراتيجيات جديدة، وأي معارضة وثورات من الخلايا في رئات الآدميين أخمدها فوراً وأرسم طريق النور لأتباعي. أتباعي يخرجون من الجوف إلى الهواء، حيث يبدأ كل واحد منهم في الحصول على جسد مضيف، ليغزوه وينصّب نفسه امبراطوراً مثلما فعلت. كما ترون فإنني في حالة حرب مستمرة، والآدميون فعلاً مثيرون للشفقة.

طبعاً ليس هناك معارك بلا خسائر، سلالتي الأولى كانت تفنى بسرعة، لكن الثانية تعلمت من أخطاء الماضي، وصرنا أكثر ذكاءً وتحصناً، فاليوم نغزو الآدميين ولا يغزونا. وككائن ناشئ يشق طريقه في الحياة، فإن معاركي القليلة التي انتصرت بها تستحق الذكر والإشادة، وأنا واثق أنه لو توانت الظروف إلى شيء من الانتشار فلن يكون بمقدور أحد أن يوقفنا. إننا نتكاثر بسرعة، ننتشر بسرعة أكبر، ونعرف من أي تؤكل الكتف.. أقصد الرئة. شهرتي بلغت الآفاق، فليس هناك شبرٌ على الأرض إلا وقد سمع عنّي، وارتجف خوفاً من زيارتي له. ولو كان يجوز لي أن أقتبس القول "نُصرت بالرعب" لكان أدق وصف لحالتي. كل السبل الالكترونية تغلغلت فيها حروف كلماتي بكل اللغات المحتملة. حتى صرتُ أتساءل لمن يقوم هؤلاء البشر بالتوعية إن كان كل واحد منهم يتحدث عن التوعية؟ هل يقصدون توعية سكان المجرات الأخرى؟ لا أعرف، لكن ذلك يزيد من غروري.

ولأني كيان مزلزل ولي اسمي وسمعتي، فلقد بدأت الألسنة تلوك في سيرتي، ولكي يوقفوا بني جنسي عن الزحف المهيب نحو السيطرة الكاملة على العالم فقد صعد الأطباء المنابر وأخبروا الجميع بأن الوقاية خيرٌ من العلاج، وأن غسل اليدين وحفظ المسافات بين البشر يساعد في ردعي. الحقيقة أني أخاف أن أعترف أن هذا حقيقي، لكن بربك أخبرني، من يملك ترف الغسل ألف مرة في اليوم؟ سوف تتحول أياديهم إلى هياكل عظمية بعدما يذوب الجلد الذي يغطيها من فرط أنواع الكحول والصابون والكلور، لكن في لحظة سوف يسهو أحدهم، لمرة واحدة فقط، حينها أستغل فرصتي، فلم يُطلق عليّ اسم فيروس كورونا عبثاُ، سأتكور على نفسي وأنزلق لتلك الفرصة هادماً ألافاً من الاحتياطات الطويلة، ممهداً الطريق لأتباعي، عازماً على ألا تضيع دماء اخوتي الذين قضوا تحت الصابون سدى..!

أما التباعد الاجتماعي كما يسميه البشر فهو أمر مضحك حقاً، إنهم كائنات اجتماعية بطبعها، ونزع هذه الصفة منهم بمثابة انتزاع القلب والعقل فلا يبقى منهم إلا أجزاء متهالكة. إنهم يثيرون شفقتي ويرسمون ابتسامة على جداري الدهني أحياناً، يغلقون مدارسهم الملآى بالأطفال ذوي الجيش من خلايا النخبة، ويغلقون الجامعات الملآى بالشباب ذوي الجيش من خلايا الصف الأول، وأماكن العمل ذات الموظفين المصابين بالوسواس القهري أصلاً، ويتركون كل شيء آخر تقريباً مفتوح على الغارب، الراكب في سيارة الأجرة فرصة ممتازة، فأنفاسه حتى لو لم يعطس كفيلة بإيصال أي فيروس آخر إلى حافة السيارة الأخرى حتى لو كانت ينتمي إلى الفيروسات البطيئة العبيطة الخاملة، فما بالك بنا معشر الكورونا. ثم إن البشر ملولون، لا يستطيعون العيش بلا تلامس، والتربيت على الأكتاف مهم لأنهم جميعاً مهمومين، ثم إن لديهم كبرياء، يمنعهم من عدم المصافحة والظهور بمظهر الرقيعين الذين ينصاعون لأوامر الأطباء الأكثر رقاعة..! هذا بالتأكيد يسهل مهمتي أكثر من غسل اليدين بثاني أكسيد الحديد والإيثيلين والفلين والدوبامين وخل التفاح والثوم الممهوق بشوارب نملة أرملة عاشت شهراً في سيبيريا قبل أن تنتحر في صحراء أوكلاهوما فيأكلها نسر أمريكي يصطاده قناص أسترالي فيموت النسر وعند تشريحه يستخرجوا منه تلك النملة فيأخذون شاربها لتكتمل الخلطة، وهو مركب كفيل بالقضاء على الديناصورات نفسها لو أنها فرضاً تستعمر أيدي البشر.

اعذروني على استطرادي، فنحن الكورونا نحب الشغب واستكشاف مواهبنا الدفينة، لقد رأيت صورتي تحت المجهر بعد تكبيرها آلاف المرات، وهي جميلة جداً، الحقيقة أنني لا أحتاج لمكياج، فأنا ملئ بالألوان الوهاجة، ولولا أنني في مهمة رسمية لوضعت صورتي على عملة أهل الأرض بعد الفتك بهم وعلقتها في متحف اللوفر لكل الزوار من الفيروسات الأخرى والبكتيريا وحتى الأميبا. إنني دوماً أتساءل عن كنه هؤلاء البشر، يعيشون على خيط رفيع من الأمل، فإذا اهتز تساقطوا كالذباب، وأنا كنتُ ذلك الشئ الذي هزّ أمانهم، فأضحوا مثل خراف مكتنزة في الحظيرة يتخبطون عشوائياً للخروج من المنفذ.

في رحلتي التي بدأت من الصين، طفتُ كل ميادين القتال وخرجت منتصراً، انتصاري هنا هو انتشاري، وعنفواني هو بقائي، والقافية هنا تجعل بروتيناتي تهتز لأنها تبدو كترنيمة فيروسية رائعة. المهم أني مررت بكل مكان مأهول تقريباً وفتئت فيه فتكاً بمضاربي يمنى ويُسرى، حتى غدا منهكاً من ضرباتي،  لكني على أعتاب غزة توقفت..!
تساءلتُ ما هذا المكان، إنه أكثر مكان محصّن مررت به، لا يوجد فيه منفذ واحد، لابد أن السكان في الداخل من أصحاب الثراء الفاحش يعيشون في يوتوبيا فائقة الإحكام، يتنقلون بحراً باليخوت وجواً بالطائرات الهايبرد وبراً بسيارات الليموزين المعقمة، لابد أن هواءهم مذابٌ فيه أيونات التيتانيوم وماءهم ممزوج بنترات الراديوم وأرضهم مطلية بالزبرجد والعسجد والياقوت المسلح، كأنها صرح ممرد من قوارير. كل هذه الأفكار الفيروسية مدتني بالإرادة والتصميم وبأن هذه هي معركتي التي خُلقت لأجلها، أن أغزو غزة كرهاً لا طواعية، ناثراً أتباعي ومشرعاً مخالبي بين تلك الثلة المرفهة! فقط عليّ أن أجد ثغرة، ثغرة واحدة في هذا السور المنيع. 

أرسلت أتباعي ليلتصقوا بالقادمين إليها عبر المنفذ المحكم،  محاولاتي باءت بالفشل، فلم يستطع أتباعي سوى الالتصاق بالقليل منهم الذين بقوا على حدود هذه المدينة المرفهة، لكن لم يدخل أتباعي هذه البلد بعد. إنه مستوى من التحدي يروقني ويشجع كل محاربي الكورونا العظماء الذي طافوا البلاد بأسرها كي يتجهزوا لمعركة فيصلية في تاريخهم، والهدف غزة.

سأتشاور الآن مع القائد الأعلى للكورونا المسلحة، طالباً الإمدادات الفيروسية، ومطالباً بنخبة متمرسة في إيجاد الثغور، لابد أن غزة هذه كنز من كنوز البشر، ومن يغزوها يتيه في كنوزها حتى يرتوي، من يدري إن دخلناها فقد لا نخرج منها أبداً من فرط جمالها وأناقتها، إنني أتخيل نفسي أمرح في قصر منيف، وأستحم بالجاكوزي، وأبدل ثلاث سيارات في اليوم، وأرسل أتباعي بالتيليفريك بين جبالها وسهولها، ستكون هذه أم المعارك وآخرها وأكثرها مردوداً.
وفي لحظة شجن فيروسية رحت أردد:
مرَرْنا عَلى أرض الغزازوة فرَدَّنا عَنِ الدارِ قانونُ الأعادي وسورُها
فَقُلْتُ لنفسي رُبما هِيَ نِعْمَةٌ فماذا تَرَى في غزة حينَ تَزُورُها
تَرَى كُلَّ ما لا تستطيعُ احتِمالَهُ إذا ما بَدَتْ من جَانِبِ الدَّرْبِ دورُها

23 أغسطس 2018

مقالات ساخرة: كاتب أغاني واشياء أخرى



صوت الطرقات على الباب ينبئ بمصيبة هائلة، هرعت متوقعاً أن أجد المسيخ الدجال على الباب يدعوني إلى الدين الجديد أو يعدمني، فلما فتحت الباب وجدت (فادي)، صديق أعرفه قليلاً رغم أني أراه يومياً لمدة تسع ساعات، كان الشرر يتطاير من عينيه كما يقول (نبيل فاروق) في سلسلة (رجل المستحيل)، فأدركت أني لو رأيت الدجال بشحمه ولحمه لبدا الأمر أكثر طبيعية لكن الحياة ليست عادلة لتتوافق مع توقعاتك..

دعوته للدخول إلى الكهف الذي أحيا فيه، وجدت طبلية تعود لأيام الهكسوس ذات رجل مكسورة، فإما هي أو يجلس على الأرض، فجلس على الأرض بالتأكيد، الآن يمكنك أن تبدا يا عزيزي فادي لتخبرني بمصيبتك.. فتح فمه ليبدأ بالكلام، لكني باغتته وسألته ماذا يريد أن يشرب.. قال شاياً، فنظرت له شرزاً كما يقول (نبيل فاروق ) في سلسلة (ملف المستقبل)، وقلت له أن الشاي لم يدخل كهفي منذ أن سكن (النياندرثال) الأرض، فطلب ماءاً، فأخبرته أن هذا شيء يمكن تدبره بكثير من العسر.. رشف رشفة من الكاس، واستغربت من اشمئزازه حين رأي نملة ملتصقة في قاعها، نحن لسنا في فندق قلت له.. والآن دعنا نسمع ما لديك، تأمل السقف قليلاً ليبدأ الكلام فكان شبيهاً جداً بالسحلية التي تعلو سور الحائط في منزلنا، الآن بدأ يتكلم، وكان ما قاله غريباً..

"صحيت الصبح لقيت الدنيا ماطرة.. مع إن الدنيا صيف واحنا مش في سومطرة.. قلت الحياة دايرة في دايرة..وقلبي مش ليكي يا شاطرة"
ها..ما رأيك؟
رأيي في ماذا بالتحديد؟
في مطلع الأغنية التي أكتبها طبعاً.. هل لاحظت القافية (ماطرة، سومطرة)، كلمات عميقة ليست مثل كلمات الأغاني التافهة التي نسمعها كل يوم، فيها إحساس منقطع وانتقال سلس، كم شخص استخدم (سومطرة) في أغانيه؟ أراهنك أن سكان سومطرة أنفسهم لم يستخدموها، وهذا هو الإبداع، الان أريد منك أن تساعدني في كتابة بقية الأغنية..!

كان لدي حذاء قديم، مرت عليه عشرة أجيال من العناكب، وسكن فيه تمساح، وتكاثر فيه نوعين من النسور المهددة بالانقراض، وآوى آلافاً من الفئران المشردة، كان ذا كعب من الفولاذ وجلد شبيه بدروع المحاربين، لكني حقاً لم أتردد ثانيتين في التضحية به مقابل أن أراه يرتطم بوجه هذا (الفادي)..

قلت له وأنا أقترب من الحذاء خطوة: تبدو أغنية واعدة، حقاً واعدة، سوف (تزلزل الزلازيل) بالتأكيد.. تناولت فردة الحذاء، ورسمت رقم (42) على خده الأيمن، بدا متفاجئاً ووجه يغلي كمرجل، حينها ثرت في وجهه والزبد يتطاير من شدقيْ كما يقول (نبيل فاروق) في سلسلة (الأعداد الخاصة) وأردفت:
أيها الوغد الآبق، يا بقايا الصراصير الميتة، يا روث البهائم ومخلفات الضفادع، هل أبدو لك في بال رائق لهرائك هذا، هل هناك لافتة على الباب تقول: (كاتب أغاني وأشياء أخرى)، بالتأكيد لا، الان ارحل من هنا واذهب إلى سومطرة، لأني لو رأيتك في الجوار فسوف أنسفك نسفاً..!

رزع الباب خلفه بعنف وقد أهينت كرامته، وبالتأكيد خسرني للأبد، لكني لم أهتم، هذا ليس أسوأ من انقطاع الكهرباء في هذا الحر، وليس أسوأ من الفقر، ليس أسوأ من دموع الليل التي أذرفها باكياً على سوء الحال والظنون، ليس أسوأ من عصفور مبتور الجناحين تحيطه النار مثلي..!

بعد أن هدأت ثورة غضبي، وزالت سحابة الشؤم عن ذاكرتي، تأملت من النافذة المكسورة غروب الشمس، كان ساحراً، وقد أوحى لي بقصيدة رائعة، سأكتبها لاحقاً، وستكون ثورة في العالم، وسوف يتهافت الهواة على تلحينها ونشرها على اليوتيوب، لكن عليّ أولاً أن أجد ثمناً لشراء قلم حبر ودفتر جديد...!


08 أغسطس 2018

شعر: خصائل لا تشفع



فيكِ خصائل..
ليست في آلاف غيرك..
وحدك..
الكائن المتكامل.

لكنك في مجرى بارقات الزمن الحيرى..
يكسوك غرور..
يدور في فلكك ومعه تدور..
يفتّ في أفنانك يأكلها..
مثلما تتلف في باطن الأرض الجذور..
تظنه مرحلة للتكوين المتماثل.

وتعلم..
أني أستاذُ في فن التجاهل..
وتظنّ لأنك أنت...
أني عائد لأجلك مقاتل..
وترجو بعد يأس العاصفة..
من زحزحة هذا الصرح الهائل..
أن أعودُ زاحفاً..
أفرش لك أرضاً بالدموع والمسائل..
أو أن أفتح أكثر الشباك الموارب..
وأنسل إلى صحراءك كالبواسل.

لكن الحقيقة..
أني أعد الليالي، ليلة بعد ليلة..
إحساس قاتل..
أن يدعوك اليأس إلى الراحة وأنتَ..
تريد أن تقاتل..
ظلمتك تغرق هذا القلبُ القاحل..
فلا أنتَ بعد دنو الرحيل تملكني..
ولا أنا من بعدك راحـل.!

23 يناير 2018

مقال: انطلق حراً


الطاقة لا يحبسها حدّ، النبتة تجد لها بين السلك الشائك منفد، فتورق، وعن جذرها تبتعد، والثمرة التي تعلو فوق هامة الأسى لا تنسى من أين أتت، من يوقف حباً يتمدد في الجذور، من يهزم رعشة تسري في الجسد وتدور...!
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل فتأمل، كيف يصير الموج الهادي هداراً، كيف تصير العشبة شجرة، كيف يصبح الواحد مع التسعة عشرة، من يولد صغيراً ثم لا ينطلق يموت صغيراً، والذي ينطلق وإن كان صغيراً فهو كبير، أما ترى في الصيف قوة الهجير وفي البرد سحر الزمهرير، فضع بصمتك في يومك، في هواءك وإحساسك، في فكرك وخطواتك، ضع بصمتك في التاريخ، لا تقف ساكناً تنتظر، فالماء الراكد آسن يأكله العفن، والذي يجري تعرفه المدن، فكن منذ اليوم فعالاً، لا تقل غداً. كن أنت فما خُلقت لكي تستكين، وما كبرت كي تعقد يديك وتعدّ العابرين، أما ترى في خلقك حكمة، فأصل الطين ماء ورمل، قوتان جارفتان هما أنت، فاصنع المستحيل!

طاقتك لا تحدها الحدود، اصنع من أفكارك مجدافاً يعبر فوق أسلاك حزنك، اصنع بيديك قارباً يأخذك إلى كل مكان، تعرف أن الأحلام بالمجان، لكن كل مجد تراه حولك صنعته فكرة ويدان. لا تلتفت للوراء، فلن ترى ما يشدك للإقدام، خلفك طريق معبد بالدماء، خلفك جيش من البؤساء، يمكنك أن تكون منهم فتعيش على أمل الرخاء، على الغد الذي قد يكون آمناً، أو قد يكون جهنماً حمراء. لكن بيديك صيّـر جيشاً، أطلق وحشاً، يأكل كل آفة تبقيك في بوتقة الفناء.
أنت حرٌ لتفعل ما تريد، من يُملي عليك وأنت الحكيم الرشيد، تروضنا العادات والتقاليد، لكن من يروض كينونتك في أن تكون ما تريد، أنت سيد قرارك وأمير اختياراتك وملك طريقك، فخذ من كل البساتين ما يقويك، واترك في صحراء اليأس كل ما يشجيك، لا تلتفت إلى طول الطريق، لا تتردد، فما أرداك في بادئ عمرك غير التردد، إن عزمت فتوكل، ودع الأيام تفعل ما تشاء، لكن كن فيها منارة ومجدافا، ضع فوق كل ذرة ألم علـَم، فكل الذي فوق التراب تراب، وتحت الترب تبْرٌ مهره العزم.

أترضى أن تعدّ الأيام عداً لا ترجو فيها جديد، بغير الطرق والحرق لا يلين الحديد، اقتل روتين التوجس وادفن إحساس التوهم، شمّر عن ساعديك وغامر، دع لعبة الدفاع لغيرك وهاجم، وإذا غامرت في شرف مروم، فلا تقنع بما دون النجوم، فكل خطوة في سلم المجد، لها طعم في النفس عظيم.

كن رساماً أو نقاشاً، كن طبيباً أو معلماً، كن لاعباً، العب دورك في الحياة لا كما يريدون بل كما تريد أنت، هذه حياتك، عشها بطريقتك، اقضي يومك كما شئت لكن عِد نفسك أولاً أنك ستكون حراً في اختيارك لتصنع الفارق في حياتك.

03 يناير 2018

مقالات ساخرة: أحمر أخضر..تم نهبك بنجاح

غزة الحبيبة العاتية التي لديها ميناء صدئ ووادي عِكر وسكان مكدسون كعلب السردين، أضحت كرنفالاً يحوي الحواة والمهرجين، كانت قرى متفرقة كأخواخ إفريقية، ثم غدت مدينة فيها البنيان يمتد والزحام يشتد، واليوم نصحو على غزة ليست غزة، إنما مستعمرة إعلامية، كمدينة كورية أو يابانية، هونج كونج مصغرة، في إعلاناتها التي تملأ الشوارع لا بجودتها لو كنت تسأل..!

بدأ ذلك منذ صارت الدعاية والإعلان منهج حياة، وأسلوب تعايش، أنت لا يمكنك أن تصير كياناً إلا لو أعلنت عن نفسك، سوف يتساءل الناس جميعهم عن سر الثقب في جواربك المشمشية إن أنت وضعت شارة إعلانية في شارع رئيسي تقول على سبيل المثال: "هناك ثقوب وثقوب، لكن ثقوب الجوارب المشمشية تختلف عن الألوان الأخرى" وسوف يعرف كل سكان الكوكب بذلك، قد تكون محظوظاً أكثر لتتناولك وكالات الأنباء لتعرف هذا السر الخطير..!

لا أعرف كم من هذا الهراء مرّ علينا، لكننا تساءلنا عن "سر المورينجا" وعن "كريم" وطبعاً عن صاحب الدعاية العبقرية "مين سليم؟".. وجميعها اتضح في النهاية أنها نكتة واهنة وجعجعة فارغة، فالمورينجا نبات غريب الأطوار فوائده موضع شك، وزيت الزيتون أفضل منه بمراحل في كل شيء. وكريم برنامج يستنزف مالك مدى الحياة، أما سليم باشا فهو انترنت شهم يدعوك ألا تسرق من الجار بل تدفع لشركة الاتصالات نقودك كي تتمتع بالخصوصية!.. وجميعهم لا يقيمون وزناً لك إلا مقدار ما تحمله في جيبك، وجميعهم كتب بالحبر السري أسفل هذه الشعارات: "أيها المواطن، ادفع لنا عليك اللعنة!".

كل هذا جميل، ويمكن تحمله، لكن مؤخراً بدأ إعصار إعلاني آخر، مبارزة القرن، الرجل الأخضر مقابل سبايدر مان، جوال مقابل الوطنية، جحافل الوطنية الحمراء تقف على الحدود منذ أشهر قائلة بأنها "جايين يا غزة" فتشعر بأنها تهدد وتتوعد لا لتنتشر، عبارة تحمل في طياتها ملامح حرب ضروس، فتشعر أن المغول قادمون، جيش يأجوج ومأجوج، هتلر بُعث من جديد وهو يتوعد غزة بأن يبيدها عن بكرة أبيها. ثم تبدأ بالانسياب والتسلل بإعلاناتها الحمراء اللون، تغزو شارعاً تلو الآخر، تحجب جزءاً من السماء وأجزاء من الأكسجين.. فماذا تفعل جوال، هل تسكت؟ بالتأكيد لا.. إن مسلسلاً من ردح النساء على وشك البدء، فلتسعد الجماهير لهذه التراجيديا الثورية، الحق يُقال أن الأمر شكسبيري بامتياز، تختلط فيه المشاعر ما بين الهلوسة والامتعاض، وما بين المقت والفجور، لكننا نشاهد كل ذلك في صمت، لقد شاهدنا عجائب أكثر، فلننتظر ما تتمخض به هذه المهزلة..!

ما بين أحمر وأحمر أخضر، وما بين أخضر وأخضر أحمر، هذا ما يشاهده العابرون كل يوم في شوارع غزة، إن الغزو الأحمر يلزمه دفاع استراتيجي من الكيان الأخضر، يقول الأخضر في نفسه، أنا وجدت هنا قبلك، أنا تاريخ ووطن، أنا الياسر، وأنا الحاضر، أنا الكاسر، فمن منكم يدنو أو يجسر؟ فيرد الأحمر بأنه ليست العبرة بمن سبق بل العبرة بمن صدق.. تراشقات إعلامية مهينة، فلكأنك تشاهد معرضاً للفن الهزلي..
فجأة صار المواطن هو أهم شيء في الكون، بدأت عروض جوال تنهال، كأن مغارة علي بابا فتحت أمامك وأخبروك بان تغرف ما تشاء، لا أعرف إذن لماذا أغلقتم المغارة كل هذه السنين؟ الآن وقد شعرت بعرشك يهتز آمنت بالشعب؟ لكني أعرف وأنت تعرف وهم يعرفون أنهم ينظرون إليك كرقم.. عملة تمشي على قدمين.. مجرد زبون آخر يملأ جيبي الممتلئ..!

بعد أيام سيدرك الجميع الفخ الذي وقعوا فيه جميعاً، يتحد الرجل الأخضر مع سبايدر مان في فيلم "المنتقمون"، هذا بالضبط ما سيحصل، وسيحجبون مزيداً من السماء، وأجزاء أكثر من الأكسجين.. وبذلك يتحقق انتقامهم المدروس.