لم أتوقع في حياتي أن أرى هذا الكمّ من القطط التي تجوب الشوارع بكل ثقة وكبرياء، وللحظة ظننت أنني أسكن في كوكب للقطط وأنا مجرد ضيف ثقيل الظل جاء يدنس هذا الكوكب البرئ..! في النهار ترى قبائل من القطط السوداء والبيضاء والصفراء والموف والزهري، وكلها تعرض آخر صيحات الموضة في الألوان، فهناك المبقع والمرقش ، المهم أنه يتناسب تماماً مع ألوان عيونها ..!
حين أمر أمامها، ترمقني بتلك النظرة المشمئزة، ولو كانت النظرات تتحدث لقالت لي تلك القطط : "ابتعد من هنا يا شاطر"، ولكل خمس قطط قائد محنك من النوع الذي يغوص في المزابل بكل رشاقة ليخرج لها قوت اليوم من بقايا البشر الأوغاد ، هذا القائد لابد أن يتحلى ببعض الصفات، فلابد أن يكون صوته شبيهاً بالقنبلة الموقوتة، ولابد أن يكون رأسه كبيراً وذيله منتفشاً، كذلك لابد أن يكون هذا القائد عالماً بآخر صيحات الموضة، فيجب أن يكون شعره أسود معمول بنظام (الميش) والأفضل أن يكون بنظام (كابوريا) لزوم التشخيص .. كذلك لابد أن يضع عود ثقاب في فمه ويمضغه كلما أراد أن يفرض رأيه مثل عصابات المافيا، والأكثر أهمية النظارات السوداء الداكنة التي تخفي جمال عينيه وقوتهما، فهذا كما تعلم يجلب الرهبة والاحترام في قلوب القطط الولهانة ..
إن مهام هذا القائد متعددة، فهو يوفر الأمن للقطط (الفافي) التي لا تجيد الدفاع عن نفسها ضد هجمات (الأطفال)، وكذلك يقوم بتدريب صغار القطط على فنون القتال خاصة رياضة الخرمشة والخربشة والتي ابتكرها حينما كان في جولة استكشافية في الصين .. وحين فراغه يقوم بتدريس سائر القبيلة أشعار نزار قباني وبطولات (سبارتاكوس) الروماني كنوع من الثقافة العامة ، وشعاره في ذلك : إن القط الذي يجيد الشعر خير ألف مرة من القط الذي لا يجيده .. ولا أعرف مدى صحة هذه النظرية، لأني لم أكن قطاً يوماً من الأيام لو لاحظت ذلك ..
مهمة أخرى لهذا القائد هو مساعدة القطط الحوامل في أشهرهن الأخيرة، فهو يقوم بأخذهن للمشي مسافة ثلاثة كيلومترات يومياً، كما أنه تعاقد مع أحد شركات القطط للطباعة لتزويده بنشرات صحية عن مخاطر الحمل للقطط التي لم تأخذ تطعيماً ضد التيتانوس .. وكل هذا من أجل حياة صحية أفضل للقطط الصغيرة .. إنه يعلم أن قبائل القطط متناحرة مؤخراً بسبب الصراع على ملكية المزابل، وهذا يؤدي إلى تناقص في أعدادها، كما أن الحرب الأخيرة مع قطط الجنوب كلفته شهيدين من أقوى القطط الذي عرفهما .. وبالتالي لابد أن يحافظ على نسله بأي طريقة لضمان البقاء ..
بالتأكيد لهذا القائد مزايا أخرى، فهو يستطيع الحصول على الحشيش بأرخص الأثمان عن طريق أحد القطط العاملة في الأنفاق والتي فقدت ذيلها بسبب خلل فني في التوصيلات الكهربائية، كما أنه لا يأكل إلا (الشمينت) الإسرائيلي الأصلي، لأن اللبن المصري كاد أن يقتله يوماً ما، بالإضافة إلى ذلك فبيته مزود بأحدث الأجهزة، ولديك لابتوب (اتش بي) يفوق ثمنه الألفي دولار بمقاييس البشر ..!
الحقيقة أن كونه قائداً، ليس جيداً دائماً، فهو يتذكر كيف أن قطة جميلة عسلية الشعر والعينين التي تسكن في (مزبلة المعسكر) قد أوقعته في براثنها من نظرة وابتسامة حين التقيا يوماً بجوار المزبلة بالصدفة، وحين أخبرها بأنه قائد قبيلة (مزبلة الحارة الشمالية) انبهرت بقوة شكيمته وأحبته .. ويا ليتها ما فعلت ..!
لقد أصبح يسهر الليل ويكتب شعراً عن لوعة الحب، ويبكي ويموء من لوعة الشوق، وعلى اللابتوب الخاص به كان يضع أغاني (تامر حسني) و(مصطفى كامل). ولأن الوسادة التي ينام عليها كان من ريش الدجاج الفاخر، فقد ابتلت بالدموع، وكره أن ترى بقية القبيلة ضعفه، لذا قرر أن يتزوج من قطة أحلامه العسلية اللون.. ويا ليته ما فعل ..!
حين ذهب متخفياً تلك الليلة، كان يرتدي قناع فأر ويحمل مسدس ماء لزوم التخويف، لكن تلك الحركات لم تدخل على قبيلة (مزبلة المعسكر) فلقد نصبوا له كميناً وعرفوه بسرعة، و عينك ما تشوف إلا النور .. فقط قال لهم قبل أن يضربوه على عينه ويقلعوها له: " إنتو جايين تتشطروا عليّا .. ما البلد مليانة فيران يا جماعة الخير "... ومن يومها وهو يرفض الارتباط عاطفياً بأن قطة مهما كان جمالها ..
وفي الليالي السوداء التي تمر عليه، يتذكر سكان البلدة التي يعيش بها مع البشر، إنهم مطحونون مثله، محاصرون، مخنوقون من الفقر والجوع، مقصوفون بالصواريخ، أطفالهم يبكون، وشيوخهم يئنون، وشبابهم هائمون.. لذا تستريح نفسه قليلاً لأن هناك من هم أعظم مصاباً ...
حالة من الخشوع والتقوى أصابت هذا القائد، وقرر أن يستغل ما تبقى من عمره في الدفاع عن القضايا العادلة، لذا قام بتأسيس " مؤسسة القطط البرية لدعم صمود أهل قطاع غزة " وما زال يعمل على جمع التمويل من كافة الحيوانات الأخرى .. وقد وضع يافطة كبيرة على مدخل المؤسسة مكتوب عليها : " تعاطفك وحدة مش كفاية .. وميو ميو .. قطاع غزة مش حتهوهو .."
وإلى لقاء آخر مع قط جديد ..!

أزال المؤلف هذا التعليق.
ردحذفبصراحة مش عارف شو احكي
ردحذفمشكور كتير على هذه الرائعة و فعلا قصة تجسد واقع اهالي ولاية غزة
شكراً ونعدكم بالمزيد من القطط ..:)
ردحذفالله يسامحك نشفت دمي من الضحك
ردحذف