كان قلبي يخفق بعنف متزامنا مع صوت خطواتي العجولة ، وحين وصلت إلى غرفتها ، طرقت الباب بهدوء ، وعندما لم أسمع صوتها الواهن قلقت وولجت إلى الداخل من تلقاء نفسي ، فقط لأرى ما رأيته مرارا .. كانت الغرفة مزرية الحال ، تثير شهية فنان يعشق رسم المآسي المجسمة ، جدران مشققة ، أدوات ملقاة بإهمال ، قتامة وجهامة ، لا يوجد نافذة تبعث الهواء في هذا الحر الخانق ، باختصار هذه الغرفة لا تختلف عن القبر كثيرا ، يرفض متسول من الطبقة السفلى بأن يتخذها مأوى له ..
كانت المحاليل تحيط بذراعيها وعنقها ، وبعض العصائر ملقاة بإهمال بجوارها ، وبعض الأدوية متناثرة هنا وهناك ، أما أشد ما يبكي فهو تلك الطفلة الصغيرة الواقفة بصمت كئيب بجوارها .. كأنها تقول لي بعينين حفر الحزن فيهما أخاديد .. ماذا تريدون من أمي .. دعوها تعيش ..
وحين رأيتها لا تتحرك ، وبعدما راقبت الأجهزة حولي أدركت أمرا مفزعا ..
كان : النبض ، ومؤشر القلب ، والتنفس = صفر
وحينما غادرت الغرفة ، كان جاثوما على صدري يفترس روحي ، وتمنيت في سري لو لم أكن ممرضا يلقى كل هذه الأهوال يوميا ، لسوف تعرف هذه الأم يوما ، ما أصاب فلذة كبدها ، لكن أقسى ما في الأمر أنها رحلت قبل أن تعرف ، ربما في العالم الآخر يلتقيان ويعرفان ، لكن فليكن بلسان غير لساني..
**
اسمها ( أم مصطفى ) ، ولا أجد من اللائق أن أخبرك باسمها الحقيقي ، عمرها خمسون عاما تقريبا ، وأجد من اللائق أن أخبرك بعمرها الحقيقي ، ستعرفون سبب هذا فيما بعد ، لكن دعونا لا نستبق الأحداث يا سادة ..
كان مستشفى (الشفاء) يعج بالحركة غير الطبيعية ذلك اليوم ، دوامة البشر تبدأ من البوابة وتتكاثف في أروقة المستشفى ، صوت هتاف ( الله أكبر ) وصوت بكاء ونحيب ، وصوت الأطباء يعلو طالبا الفرصة في ممارسة مهنته ، وأعين الناس تعج بالتساؤلات التي تنتظر إجابات فورية ..
منذ دقائق فقط حامت طائرات فوق المدينة ، منذ دقائق فقط أطلقت بعضا من نيرانها التي تقتل وتفتك وتدمر وتحول البشر إلى أشلاء ، منذ دقائق فقط أحرقت سيارة براكبيها ، ومنذ دقائق فقط أطلقت نيرانها على بيت آمن فما عاد يُسمع صوت لهو الأطفال ولا هدهدة النساء ولا شقشقة الطيور على أشجار زيتونه ..
وحينما رحلت الطائرات تركت خلفها شبح الموت يخيم في الآفاق ، وإذ بدأ مفعول الصدمة في الزوال ، بدأ مفعول الذهول في التقدم ، ذلك الذهول الذي يخبرك بأن ما يحدث أمر فظيع ، أمر لا يحتمله عقل ، ولا تقره منظمة حقوق إنسان ..
وبدأ الناس يتوافدون أفواجا إلى مستشفى (الشفاء) الذي نقل إليه من أصابتهم النيران ، ذلك المستشفى الذي يقربك من القبر أكثر مما يقربك للحياة ، ليس نقصا في كفاءاته لكن نقص في إمكانياته ، الدواء شحيح ، والمكان ضيق ، والغرف حالها مزري ، وتسع مرضى في غرفة واحدة يتناوب عليهم ممرض أو اثنين .. وكل حين يخرج أحد المرضى ، لكنه للأسف لا يخرج لمنزله في الغالب ..
راقبت جموع الناس الثائرة إذ تشيع الشهداء فوق الأعناق ، يا له من مشهد قاس ، لا شئ سوى القدر يمنعك من أن تكون فوق النعش بدلا من أن تكون حامله ، صوت الحناجر يزلزل الأرض ، وينزع الرعب من القلوب الصديقة الواجفة ، ويزرع الرعب في قلوب الأعداء المتربصين ، يسير الموكب كالسيل الجارف ويبدأ ككرة ثلج صغيرة مع كل خطوة تكبر أكثر فأكثر ..
كانت نفسي تواقة إلى أن تكون أحد هؤلاء الناس ، وربما خالجها خاطر في أن تكون هي ذلك الشهيد فوق النعش ، لابد أن الله اختاره ، ولابد أن جزاءه عند الله عظيم ، فلماذا أتمسك بفتات الحياة ، لماذا أرتجف من ذكر الموت وهو آت لا ريب ، غدا حينما تشيب آخر شعرات في رأسي ، وينحني ظهري ويذهب بصري وأنا لم أقدم شيئا لديني ولوطني ، حينها سأتمنى لو كنت شابا أجوب الآفاق بحثا عن هدية أقدها لوطني من روحي ومن دمي ..
لكني كنت أعلم بأني أقوم بعملي ، واستشعرت بلذة أن أكون بين هذه الدماء وبين هذه الأجساد الممزقة ، ربما نجحت في إحياءها فأشعر بسعادة عظيمة ، ولئن فشلت فهي ذكرى تبقى تحوم في ذاكرتي لتخبرني بأن الحياة فتات والموت أقرب من حبل الوريد بكثير .. فلماذا أتأسى ما دمت سألاقي نفس المصير يوما ما ..
وحين بدأ كل شئ يخفت ، وصرت لا أسمع إلا همسا ، وذهب الشلال بطوفانه ، وعاد الهدوء يخيم على المستشفى من جديد ، حينها أتت ( أم مصطفى ) ..
**
يا لهذا الوجه المريح القسمات ، الذي يضج بالحنان ضجا ، لو كان ليناردو دافنشي حيا لتردد كثيرا قبل أن يرسم الموناليزا إذ يراها ، لكأن الحنان مثل الدمع يهرب من عينيها ، لكأن الأمومة ذاتها تجسدت تماما في كيانها .. لكنها كانت مرهقة ، ذلك الإرهاق الذي يقول بأنها قضت ريعان عمرها في كد وعناء ، ذلك الإرهاق الذي يخبرك بأن شمعة عمرها احترقت من أجل آخرين كثر ، وكانت تتألم ، ألم صامت يمنع كبرياء الأمومة من أن يبوح به ، وكان برفقتها شاب يملك نفس ملامحها فلابد أنه ابنها ، وكان أيضا معها وردة يانعة متفتحة نضرة يظن من يراها أنها طفلة ..
وحين أعياني البحث عن غرفة جيدة بسبب الإصابات الكثيرة التي وفدت إلينا في الأيام الماضية ، لم أجد بد من أن نرتب لها غرفة متواضعة بسرير واحد ، جدرانها مشققة يعافها شحاذ بلا مأوى ، وتبدو كقبر بالفعل ، لكن للأسف لم نكن نملك ترف الاختيار ، إنها الغرفة الوحيدة المتاحة في المستشفى الان ..
**
- اقترب أيها الشاب ..
كان في حوالي الثامنة عشرة من عمره ، يشبه أمه إلى حد كبير ، عيناه تشعان ذكاء لا يدحض ومن حركاته شعرت بأنه يملك قوة النمور مجتمعة وجسارة الأسود مهاجمة ، اقترب مني بحذر فأردفت :
- ما هو اسمك ؟
- هشام .
كنت أرغب في فتح باب للحديث معه ويخبرني أكثر ، لكنه كان يلوذ بالصمت كعادة من يكتم سرا أو كعادة من يكتم ألما ، لكني كنت راغبا في معرفة المزيد .. وراح في ذهني السؤال الخالد يتردد ( هل أخبره .. هل ؟ ) .. لهذا وبعينين ترمقان الأرض ربما لأنهما وجدتا عيني الفتى أقوى مما يحتمل قلت :
- هشام .. أمك مريضة جدا ..
- أعرف ذلك .
- إنها تعاني من (اليرقان) .. أو بمعنى أقرب إلى ذهنك فإنها مصابة بالتهاب في الكبد .
- هممممممممم ..!!!
- وهذا لعمري ليس بسبب إسرافها في تناول الطعام أو الشراب ، بل هو بسبب إسرافها في الحزن والبكاء والاكتئاب .
- همممممممم ..!!
- فلتعلم إذن بأن شفائها مرهون بتعاونك معي .. أريد أن أعرف ما أصابها ، ربما تمكنا من حشو السعادة قسرا في أعماقها ، ولعلها تشفى ..
- همممممم ..!!
الحق أن الفتى كان بليغا جدا في محاورتي هذه معه ، لكن سرعان ما اتضح لي أنه يملك لسانا مفوها ومنطقا حكيما وكلاما كثيرا ، و.. وحكاية مؤلمة ..
**
قال وهو يرمق سقف الردهة كأنه يقتبس من الأجواء كلماته ، قال وكأنه يستمد من عنفوان نفسه آهاته وشرع يحكي ..
أبي توفى منذ كنت صغيرا ، ترك خلفه أمي وأخي الأكبر (مصطفى) وأختي الطفلة ( فلسطين) ، لا أريد أن أتحدث لك عن أجواء عائلتي فهي تتشابه مع كل العائلات حولك في هذا البلد ، لا أريد أن أتحدث عن ضيق ذات اليد وشبح البؤس إذ يخيم فوق نفوسنا ، كل هذه الأمور تعرفها جيدا ، وما أظنها تفيدك في تشخيص علاج أمي ، أريد فقط أن أتحدث عن أخي الأكبر (مصطفى) ..
الكون من حولنا غريب ، لا يتعامل برفقة مع أي شخص ، أولئك الملاعين دنسوا الأخضر واليابس ، وشرعوا في الأرض فسادا وتخريبا ، ماتت أحلامنا قبل أن تولد ، وقتلت أيامنا قبل أن تبدأ ، لسنا ميتين لكن صدقني لسنا بأحياء .. كان على أخي (مصطفى) أن يعمل لأنه منذ تلك اللحظة التي توفي بها والدي صار ولي أمرنا ، سأتقافز عن الأهوال التي ذاقها ، سأتناسى أياما مريرة ، سأتجاوز عن كؤوس العلقم التي شربناها كل يوم إذ يعود أخي يائسا مهموما لم يوفر قوتنا ..
حينما يضيق بك الكون ، فلماذا لا تتجاوز حدود الكون ؟ لابد أن هذا ما كان يفكر به أخي قبل أن يقرر السفر إلى (الضفة الغربية) .. إن قطاع غزة كما تعلم هو سجن كبير وهو يمثل كوننا بسمائه ونجومه وكواكبه ومجراته ، هو غابة كثيفة تهجم عليها الضباع كثيرا لتنهش من لحمها كل يوم ، وهكذا كان (مصطفى ) هنا في كون غزة .. فصار في ليلة وضحاها ( هناك ) في كون ( الضفة الغربية ) ..
كانت أمي دائمة القلق عليه ، وكلما سمعت أنباء سيئة تأتي من الضفة كان قلبها يرتجف هلعا ولا تكف عن الدعاء مع البكاء ، حسن .. أراك ملولا أيها الطبيب .. لهذا دعني أقل لك بأن أمي حينما سمعت نبأ اعتقال أخي (مصطفى) على أيدي الغاشمين أصابها ما أصابها الان .. يومها فاضت أدمعها كثيرا ، شحب وجهها وخلا من بريق الحياة ، ماتت أحلامها وتحطمت أمالها وكبرت آلامها ، وبدأ الحزن كالنار في الهشيم يستشري في جسمها الضعيف ليدمر ويفتك ، صارت كسنبلة أحنت الريح عنقها لتذوق الطعنات من كل منجل ، ولما رأيت ما قاست ، ولما أيقنت من أنها لو بقيت هكذا لسوف تهلك ، هنا لم أجد أمامي سوى أن أحضرها إلى هنا ، لعل الله يكتب لها الشفاء على أيديكم ..
صمتت كثيرا قبل أن أعلق على حكايته المؤلمة ، لقد سمعت مرارا حكايات أقسى ، لكني لم أسمعها من لسان أصحابها ، هذا الفتى ينطق كل كلمة من أعماقه فلكأنه يتقيأها بعد أن ثقلت روحه بحملها ..
لم يبد على الفتى أنه منهار ، لم يبد في عينيه عجز ، بل كانتا مليئتين بالتصميم والإرادة ، فلكأنه يستمد من آلام أمه طاقة خلاقة ، ستثمر يوما ما ثمرا يانعا .. وبعد أن انتهى الفتى من الاطمئنان على أمه مؤقتا ، وبعد أن رحل ممسكا بيديه يدي أخته الصغيرة فلسطين راقبته بصمت وهو يغادر المستشفى كلها .. ولا أدري لماذا شعرت برجفة خفية نحوه ..
**
وجاء الخبر الذي خشيت أن أسمعه كخشيتي من جهنم ذاتها ..
جاء ما لم أتوقعه وما لم يكن في الحسبان ..
جاء ما لاحظت بوادره ولم أجزم بإقراره ..
جاء كصاعقة من برق لاهب ، كموجة من محيط هادر ، كحمم من بركان ثائر ..
جاء ليمتص ذاكرتي ، ويشوه أفكاري ، ويخلط دموعي بذهولي ..
هذا الفتى الصموت الطيب ، هذا الفتى الرقيق المهذب ، هذا الفتى الشهم الشجاع ، هذا الفتى الذي هو ثاني اثنين من العائلة ، هذا الفتى الذي اسمه (هشام) ابن الأم الطيبة (أم مصطفى ) .. هذا الفتى .. يا ويلتاه .. لقد استشهد اليوم ، رصاصة غادرة سلبت بريق روحه ، لم يهرب منها بل فتح صدره لها ، وحينما غاصت في أعماق قلبه واختلطت بدمائه كان يعلم أن مثلها قد غاص في عشرة قلوب كافرة سوداء ، يملكها ضباع احتلوا أرضه .. لم يعد له مكان بين أحياء الأرض .. وعساه أن يجد جنته التي تعوضه عن كل آلامه ..
**
وكأنك يا هشام تقول لفلسطين .. ولأمك :
ها قد رحلت ..
وفي فؤادي من عيونك ألف ذكرى ..
يجتاحني منها هواك ..
فأنحني حزنا وقهرا ..
ها قد رحلت ..
فكيف لي ألا أفجر ما كتمت ..
لأملأ الآفاق شعرا ..
من ذا يلوم العاشق المجنون ..
إن غنى العذاب ..
فلم يدع للناس سترا ..
هم أيقظوه وكان مشغولا بحبك ..
هائما قلبا وفكرا ..
هم أخرجوه من النعيم إلى السعير ..
وأشربوه الكاس مرا ..
هم أرغموه ..
على أن يلوك الصخر خبزا ..
قالوا له ، دع قيدها ..
دع سجن عينيها وغادر ..
ما دروا ، ما دروا ، ما دروا ..
من أنه قد كان في عينيك حرا ..
قالوا له هذه قصور الطامحين فسلّها ..
لا يشغلنك حبها ..
يا ليتهم تركوا القصور لأنفسهم ..
وبنوا لأجلي من صخور القدس قبرا ..
**
ولقد تحققت أمنيتك يا هشام فأنت الان شهيد الأقصى ، كان ملصق لصورة (هشام) معلق على العديد من الجدران في أنحاء منطقته ، أنت تعرف ماذا تعني هذه الملصقات ، إنها تعني أن صاحبها حاز مراتب الشرف الأولى ، وصار مثلا يحتذى به في فن التضحية والجهاد والاستشهاد ، وعلى الملصق كان مكتوب ( الشهيد : هشام م. ط.) الذي استشهد بتاريخ 20/5/2003 أثر اشتباك عنيف مع بعض الخنازير في مستوطنة (كفاردروم) ..
ترى هل هذه دمعة التي سالت على خدي ، لا زلت مصدوما مما حدث لهذا الفتى الشهم الصموت هشام ، إن من تتحدث معه لفترة قصيرة يلصق في ذهنك للأبد ، فكيف بفتى من نوعية هشام ، إنه يبقى في ذاكرتك وتحبه من أعماقك لأنها تلتمس فيه روحا صافية وتضحية لا تكرر .. لهذا السبب تغيبت عن تمريض أمه ، فكيف سأخبرها بفقد ابنها الثاني ؟ ستموت على الفور بالتأكيد .. أعانك الله يا أم مصطفى ..
**
أحببت هذه المرأة الطيبة ، ربما من دافع الشفقة وربما لأني شعرت بأنها أمي حقا ، ورحت أكرر الزيارة عليها مرارا لكني هذه المرة ليس بصفتي ممرضا ، بل بصفتي ابن لها ، من يدري ربما أرهقني أن أكون آلة مهمتها المحافظة على معدل نبض ثابت ..
كما هي كانت ، نفس الهالة الرقراقة تحيط بها ، اقتربت منها بصمت وخفة ، لكنها باغتتني بقولها :
- لقد غبت كثيرا يا دكتور ، أرجو ألا يكون قد أزعجك ابني هشام ، إنه حار الدماء قليلا وأرجو أن تتحمله.
كتمت دمعة حبيسة وقلت بصوت حاولت أن أجعله طبيعيا ..
- بالعكس ، إنه في غاية الهدوء والدماثة والذكاء ويفوق سنه بمراحل عدة .
ولكي أداري آلامي ودموعي ، شرعت أمارس مهمتي من قياس النبض والاطمئان على الضغط ومستوى السكر وفحص الدم ومعدل النبض ..ومراجعة الأدوية والحقن وو ..في النهاية أخذت كرسي قديم بجوارها وجلست عليه .. كنت أحاول أن أبدو طبيعيا ، لكن ارتباك حركاتي وهروبي من عينيها جعلها تدرك بغريزة الأمومة بأني أخفي شيئا ما .. شيئا هاما يتعلق بحياتها .. او حياة أحد فلذات أكبادها .
ترى كيف سأخبرها بما حدث بالأمس ؟
كيف سيكون وقع الخبر عليها وهي في هذه الحالة ؟
إنها مريضة بسبب اعتقال ابنها الأكبر ، فماذا لو علمت بفقد الآخر ؟
وهذه الطفلة الصغيرة البريئة الندية فلسطين ، ترى كيف ستحيا وما مصيرها ؟
أسئلة غبية كثيرة دارت في ذهني ، ربما لأن ذهني لم يعد به مكانا للتفكير ، بل للدموع الصامتة الحبيسة ، لهذا رمقتها بنظرة أخيرة وخرجت تائها بين دموع وأسئلة .
**
والان أجد نفسي أعود لذلك الموقف الذي بدأت فيه حكايتي ..
صوت خطواتي في الردهة يدل على أني متعجل في مشيتي ..
وصوت ضربات قلبي يدل على أني منفعل من اللحظات القادمة ..
تزداد الضربات كلما زادت الخطوات ..
وحين وصلت إلى غرفتها ، طرقت الباب بهدوء كنت أعلم أنها مريضة وأن اليرقان قد تفاقم عليها ، وعندما لم أسمع صوتها الواهن قلقت وولجت إلى الداخل من تلقاء نفسي .. لقد أخبروني بأنها لم تعد تتحرك وبأن حالتها ازدادت سوءا ..
أنا أعرف أن أحدا لم يخبرها بفقد ابنها (هشام) ، أتراها عرفت بغريزة الأمومة فتألمت روحها ، بالتأكيد لابد أن هذا حصل .. كانت الغرفة – كما أخبرت - مزرية الحال ، لا يقبل متسول أن يعيش فيها ، كل شئ فيها يثير شهية فنان يعشق رسم المآسي المجسمة ، جدران مشققة ، أدوات ملقاة بإهمال ، قتامة وجهامة ، لا يوجد نافذة تبعث الهواء في هذا الحر الخانق ، باختصار هذه الغرفة لا تختلف عن القبر كثيرا ..
حاولت أن أكتم دمع عيني ولقد نجحت بأعجوبة ، لا أدمع لحال الغرفة ، لكني أدمع لحال من بالغرفة ..
كانت المحاليل تحيط بذراعيها وعنقها وقد بدت بلا فائدة الان ، وبعض العصائر ملقاة بإهمال بجوارها ، وبعض الأدوية متناثرة هنا وهناك ، أما أشد ما يبكي فهو تلك الطفلة الصغيرة الواقفة بصمت كئيب بجوارها .. كأنها تقول لي بعينين حفر الحزن فيهما أخاديد .. ماذا تريدون من أمي .. دعوها تعيش ..
تأملت الصغيرة وكتمت ألف خاطرة ورحت أجس :
النبض - مؤشر القلب - التنفس = صفر
لم يعد في الأمر شك .. لقد ماتت ( أم مصطفى ) ..
وحينما غادرت الغرفة ، شعرت بضيق في صدري ، وتمنيت لو أغادر هذا المستشفى الكئيب بسرعة ، وتمنيت لو لم أكن ممرضا يلقى كل هذه الأهوال يوميا ، لسوف تعرف هذه الأم يوما ما ما أصاب فلذة كبدها ، لكن أقسى ما في الأمر أنها رحلت قبل أن تعرف ، ربما شعرت به في العالم الآخر ، لكن فليكن مخبرها لسان غير لساني ..
** ***** ** ****** ** ******
(((( طلـــب استقـــالـــــة ))))
السيد/ مدير مستشفى الشفاء بغزة الموقر ،،
تحيــة طيبــة وبعـد ،،
أتقدم لكم بطلبي هذا آملا منكم الموافقة عليه ..
ليس لدي أي مبرر من أي نوع لقدومي على هذه الخطوة ، لكن يشعر المرء أحيانا بحاجته إلى شئ آخر ..
لقد فشلت يا سيدي في أن أكون ممرضا كما تعلمت في دراستي وكما أقسمت قسمي حينما قبلتموني في العمل لديكم ..
ربما كانت (أم مصطفى ) نوع نادر من الأمهات .. لكني عشت مأساتها بحذافيرها ..
من المرعب أن تتألم أم بسبب اعتقال ابنها البكر ، ومن المبكي حقا أن يقتل ابنها الآخر ..
لكن قمة المأساة أنها ماتت دون أن تدري أنه استشهد ولم تقبله قبلة الوداع ، كما أنها لم تفرح بالإفراج عن ابنها مصطفى بعد موتها بأسبوع ..
كل هذه الأحداث يا سيدي آلمتني بشدة فصرت أخشى مهنة التمريض كخشيتي جهنم ذاتها ، لأني سأرى في كل أم صورة مكررة من أم مصطفى ، وسأرى في كل عين شاب صورة هشام .. ولن أقوى على تأدية شئ سوى زيادة آلامي ..
كنت قد أقسمت ألا أسمح لقلبي بأن يرق لحالة أو يتعاطف معها ، ليس تجردا من إنسانية ، لكن لأن هذا يضر بعمل الممرض ، لكني يا سيدي قد فشلت في هذا الأمر ، وعرفت فيما بعد من أني تسببت في فقدان مريض آخر كان ينتظرني كي أعتني به ، لكن شفقتي على إحدى الحالات جعلتني أهمله تماما ..
لقد عشت بين ثناياكم عهدا مشرقا ، ساهمنا معا في التخفيف من الآلام ، لكن هذا طلب استقالتي أقدمه غير نادم لأني لم أعد كذلك ، وإني لأوقركم أشد التوقير على جهودكم الجلية ، وعلى ثقتكم الدائمة بي ..
المخلص لكم دائما وأبدا /
م. ك . ع
** ****** ** ********
أما ما لم يعلمه الممرض ولم يكتبه في مذكراته ، فهو أن الطفلة (فلسطين) ستكون برفقة أخيها (مصطفى) الذي أفرج عنه مؤخرا وعاد إلى أهله ، ولسوف يكونان في سيارة أجرة مسرعة ، ولسوف تتجاوز هذه السيارة السرعة القصوى ، ولسوف يحدث ما تتوقعونه تماما .. ولسوف يواريهما الثرى معا بجانب أخيهما (هشام) وأمهما ..
** ******** **
ملاحظة هامــة : أحداث هذه القصة مبنية على وقائع حقيقية …

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملاحظة/ في خيار (التعليق باسم)أدناه، يرجى اختيار (الاسم/عنوان الموقع) والاكتفاء بوضع الاسم فقط في حال رغبتك في ظهور الاسم الذي اخترته في التعليق.