لطالما كان البحر متنفساً لشتى الأمم، يكفي أن تنظر إليه لتنسى همومك، ولتجترّ ذكرياتك، حتى لو كانت حزينة فستشعر بذلك المذاق الحريف الذي يعطي للحزن لذة، وللمأساة رونق .. لكني هنا أتحدث عن البحر الصافي الخلاب، الذي بإمكانك بشئ من الجهد اليسير أن ترى السمك يسبح فيه من شدة صفائه، أو ترى ظلك إذ ينعكس على رماله الذهبية أسفل الماء فيعطي صورة (بورتريه) رائعة سيجنّ بيكاسو ليرسم مثلها .. كل هذا جميل، لكن مثل هذا البحر للأسف .. ليس موجوداً بغزة على الإطلاق ..!
ما إن تنوي زيارة بحر غزة حتى تفكر في عدة احتمالات بخلاف الحصول على بعض المرح، أهمها على الإطلاق أن تعود سليماً معافى إلى حضن أمك ..! فعلى البحر يمكن أن تحدث أشياء كثيرة لو غامرت ونزلت إلى مياهه التي تناديك بهمس كنداء (النداهة) .. في أواخر الشتاء غالباً ما تحدث الانزلاقات الطينية من وادي غزة، محولة الساحل الشمالي كله إلى لون بني داكن كلون جرح قديم، مما يعني أن السمك بداخله أصبح يسبح في فرن من الطين وليس بحراً من المفترض أنه أبيض متوسط ..!
ولهذا الطين فترة حضانة مؤقتة، فهو يبقى لمدة شهر تقريباً، ثم يذهب بعيداً إلى شواطئ المجدل وتل الربيع، وأكاد أتخيل جزع الناس الأوغاد هناك على الشاطئ إذ يهتفون من جديد عن الجحيم القادم من غزة ليبتلعهم .. ربما هذه هي الحسنة الوحيدة لهذا الطوفان الطيني ..!
نعود للبحر .. الغدار في الغالب، الواهم الحالم، العاجز أحياناً أمام جبروت البشر، فالناس لا ترحمه، فهو بمثابة حاوية قمامة كبيرة، فلو عندك أي فائض في المخلفات البيتية فالأفضل أن ترميها في البحر، فهو يبتلع النفايات والأسرار والناس بصمت رهيب .. المشكلة أنه في بعض الأحيان يكون على البحر حاويات صغيرة للكافتيريات المقامة على الشاطئ، لكن الناس تستبعد المسافة، فالبحر خُلق في نظرهم كي نلوثه ببقايانا ..!
ثم من بعد ذلك، يأتي وقت الاستحمام .. ويا له من استحمام يحتاج إلى استحمام آخر .. اغطس على الشاطئ قليلاً، لكن لا تجزع إن التصق في وجهك كيس شيبس فارغ، أو ارتطمت بعلبة بيبسي كولا، أو في بعض الحالات بحفاظة أطفال مثخنة بالجراح..! وعندما لا تصطدم بأي من هؤلاء فاشتم رائحة البحر.. لتدرك تماماً أنها مياه مجاري قادمة من أكثر من أربع منصات إطلاق على طوال الشاطئ، لتحيل المائة متر الأولى منه إلى بالوعة حمام قديم ..!
بعيداً عن التأفف، فلا زال البحر صديقاً يا عزيزي، إن استثنينا هذه الهفوات، فهو مريح للعين إن نظرت إلى خط الأفق فما بعد، أو فما فوق، وإن شعرت بندائه فلبيته، فلا تغترنّ بحضنه الدافئ، فهو يبلع أحياناً ..!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملاحظة/ في خيار (التعليق باسم)أدناه، يرجى اختيار (الاسم/عنوان الموقع) والاكتفاء بوضع الاسم فقط في حال رغبتك في ظهور الاسم الذي اخترته في التعليق.