01 مايو 2010

قصة قصيرة: وحي الإبداع


قرر أن يحترف الكتابة ..
لماذا يحترفها .. لا يعرف حقا ، لكنه رأى أن صديقه عصمت يكتب شعرا رائعا ، وابن أخوه الذي لم ينته من الثانوية العامة بعد فاز بمسابقة القصة القصيرة أكثر من مرة .. لهذا تراه الان جالسا فوق سطح منزله يتأمل شمس الغروب ، بيده قلم ومفكرة صغيرة .





مرت ساعات على هذا الوضع ..
- وحينما رأته هامت به حبا . 
- بداية سيئة جدا . 
- وتزوج الفتى الفقير الأميرة الغنية . 
- لا يوجد أميرات هذه الأيام يا فتى ، إنه عصر الحماوات الطاغي . 
- وفي النهاية أصيب البطل بجراح بالغة ، وحبيبته تهمس في أذنه وهي تودع أنفاسها الأخيرة قائلة : كلمة بقالي سنين عاوز أقولها .. أنا .. أنا .. ثم ماتت دون أن تكملها . 
- نهاية تقليدية .. مستهلكة .. كفت (بي ام دبليو) عن انتاجها منذ اختراع زيت الزيتون !

ويستمر الصراع في عقله لساعة أخرى ، في النهاية يكتشف أنه قد صنع جبلا من الأوراق الممزقة لهذا ينهض متحسرا وغدا يوم آخر ، إن الكتابة ليست سهلة إلى هذه الدرجة حقا .

في اليوم التالي قرر أن يغير المكان ، ربما كان غروب اليوم السابق شاعريا ، لكن أتراه يناسب وحي الإبداع ، ربما يفضل هذا الأخير أماكن مقفرة تثير الهواجس في النفس ، إن هذا الكوخ الخشبي المتهالك يبدو رائعا فعلا .

سيجرب اليوم أن يكتب شعرا ، هو لم يتقن شئ بعد ، لا ضير من تجربة أي شئ إذن ..

وحامت الحمامات في الأفق البعيد ..
رأت من بعيد نسرا كأنه نسر فريد ..
طار ريشها من الخوف والرعديد ..
ثم سقطت في النهاية في فخ رهيب .. 

واااااااااااااااع .. الحمد لله أنه لا أحد بجانبه وإلا لاعتزل الحياة اشمئزازا .. إن سحلية تجيد فن المراوغة لتصنع بصوتها شعرا أجمل من هذا بكثير .. 

وفجأة .. لم يحدث شئ ..
لكن في الفجأة الثانية حدث شئ بالتأكيد ..
وطواط بزغ من قلب الظلام آتيا من صوب شباك الكوخ المتهالك ، قييييييييييييق .. صوت فظيع يكفي لأن يملأ كوابيسك بقية عمرك .. ثم بدأ صوت الخطوات اللعينة .. إنها خطوات في الردهة ..

الوطواط يا سادة ليس سيئا دائما ..
ربما كان منظره بشع وصوته مزعجا ..
وخطوات الردهة أحسبها موسيقى ..
لم يعزفها فيل يغازل كركدنا .. 

اووووف .. حتى الخوف لم يفلح في جعل وحي الابداع ينزل .. اللعنة .. الأمر ليس كما تصور .. ماذا يكتب إذن .. لحظة ، لماذا يحرق دمه بهذه الصورة .. ألا يقولون .. الكتابة كآبة .. ألا يقال " والشعراء يتبعهم الغاوون" .. برزت هذه المعاني في ذهنة لحظة فما كان منه إلا أن مزق ما تبقى من المفكرة وألقى القلم من حالق .. ثم ذهب لينام ..

في الصباح شعر بأنه خامل نوعا .. ورأى أمامه فتية يلعبون الكرة ، إنها فرصة لتجديد النشاط بعد خمول وحي الكتابة المنتظر هذا ..

- باصي على يمينك يا أبو تميم ..
- ( من قلبها الجريح سمعتها تنادي .
أصغيت للمنادي ، إذا بها بلادي ) 
رائع .. وحي الابداع ينزل عليه الان .. الحماقة لو أردت رأيي أن يمسك لاعب كرة بقلم ودفتر أثناء اللعب .
- ما قلنالك باصي على يمينك يا أبو تميم .

- فاول بول ..
-(مسكينة بلادي تنفخ في رماد .
صرخاتها بواد ، وأهلها بواد ) 
آخخخ .. أريد قلما ودفتر الان ، أرجوك يا وحي الابداع انتظرني حتى أنتهي .
- يا بني ارحمني ده فول كرة قدم مش كرة سلة !!

- بنلتي .
- (من قلبها الجريح سمعتها تنادي .
إذا بصوت شعب يدوي في الوهاد) 
هذا شعر .. تالله إني أراه شعرا .. لكن لحظة .. ماذا كان البيت الذي قبله ، تبا لقد نسيت .
- أووووووووت .

- شوووط .
- ( ها نحن قد أتينا لبيك يا بلادي .
ها نحن قد أتينا لبيك يا بلادي ) 
راااااااااااائع ..
- أييييييييييي

انتهت اللعبة ، الحق أنه لم يلعب مثل هذا منذ قرون ، صحيح أنه ظهر كأنه مهرج في بلاط الزواحف ، لكنه على الأقل أفرغ طاقته وتحرر من سجن وحي الابداع .. وفي المستوصف كان يشمر عن جرح بساقه فطلب من الطبيب ورقة وقلم .. ظنوا بأنه سيكتب وصيته الأخيرة ، لكنه لم يمنحهم هذا الشرف .. خط على الورقة جملة واحدة .
( وحي الإبداع يأتي .. عندما لا تكون مستعدا له .. وفي مكان لا إبداع فيه ) 


تمت بحمد الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملاحظة/ في خيار (التعليق باسم)أدناه، يرجى اختيار (الاسم/عنوان الموقع) والاكتفاء بوضع الاسم فقط في حال رغبتك في ظهور الاسم الذي اخترته في التعليق.