01 مايو 2010

قصة قصيرة: قتلة الأحلام


شاب رائع هو ، لا شك أن عينيه تخبرانك بمدى فراسته وذكائه ، ولا شك أن اجتهاده يرسم خطا لمستقبله ، وكان طموحا ، ذلك الطموح الذي يذلل الصعاب لأنه أقوى منها ، وكان كل شئ وردي يقفز خطوات كبيرة في رحم المستقبل أمامه ، منذ أيام أخذ شهادته الجامعية الأولى ، ومع كلمة (امتياز مع مرتبة الشرف ) بدأت أحلام عدة تراوده ..



غدا سوف يكون احتفال عائلي بهذه المناسبة السعيدة ..
وبعد غد سوف يعود لذات الجامعة لأنه طلبوه للعمل بها ..
وبعد شهر سوف يبدأ دراسة الماجستير ولن ينتظر حتى يحصل على الدكتوراه ..

- وماذا أيضا ..
قالها محدثا نفسه وهو يتأمل المرآة بعد هذا الجهد المضنى ..
لسوف يبحث عن فتاة أحلامه ، ولسوف يبني بيتا أنيقا على الطراز العربي الأصيل ، ولسوف يدخل أولاده في ذات الجامعة التي تخرج منها فهي صاعدة علما وأدبا ، إنه شاب وسيم حقا ، وذكي أيضا ، ومجتهد ومثابر ، وغدا سوف يكون موظفا براتب مجزي .. إذن من هي المحظوظة التي سترتبط به ..

ولا زال يتأمل المرآة منتشيا ..
- ماذا سأرتدي غدا ؟ هذه البذلة الكحلية تضيف إلى وسامتي وسامة ، سأذهب عند الحلاق ليهذب شعري ، ولن أنسى أن أمر على صديقي بائع الاكسسوارات لأشتري زجاجة عطر فاخرة .. ياااه .. لقد انتهت فترات الزرع وحان وقت الحصاد ..

لكنه فكر قليلا ، ذلك الفكر الذي يجعلك تهمهم قائلا ( همممم ، امممم ) والذي يوحي بأن هناك نقطة نسيتها ، لهذا أردف في سره ..
- قبل كل شئ يجب أن أعيد قطعة السلاح إلى صاحبها ، إن وجودها في بيتي خطر ، لسوف أفعل هذا حالا ..

ثم ..
في لمح البصر ..
في غمضة عين ..
ومع اختلاط الدماء بالذهول ..
دوى صوت الانفجـــار .
بوووووووووووووووووم

وحين أزالوا أثار القصف ، وحين ابتعدت الطائرة ، كانت هناك مرآة ملقاة بإهمال ومحطمة ، غير أن الدماء التي تغطيها لا تعني سوى شئ واحد .. 

****

وحين فرغت من دراستها ..
جهزت نفسها لآداء آخر الامتحانات ..
غدا وفي الثانية عشرة ظهرا لسوف تكون حرة ..
لن يكون بعد اليوم امتحانات كي تؤديها ، لن ترهق نفسها في التحضير والمذاكرة وحل الواجبات ..
لأن غدا هو اليوم الأخير لها ..
لكن ليس هذا سبب سعادتها الغامرة ..
إن ابن عمها الذي طالما كننت في نفسها له ودا سيتقدم في ذات اليوم لخطبتها ..
ولسوف تكون فرحتها فرحتين ..
الان ما عليها سوى أن تدرس بجد كي تثمر سعادتها غدا ..
--
الحق أنها كانت مرحة مبتهجة كعصفور طار من قفصه ..
لقد أنهت امتحانها الأخير كأفضل ما يكون ..
الان سوف تذهب لتزين نفسها وتستعد ، فبعد العصر سيأتي ابن عمها ليخطبها ..
دخلت البيت منتشية ، السعادة تسبقها ، ولألأة عينيها تضئ طريقا ورديا ..
لكنها سمعت صوتا ..
- اللعنة .. هناك دبابة غاشمة في الجوار ..
ثم سمعت صوتا آخر ..
- اللعنة .. إنهم يطلقون الرصاص ..
لهذا جلبت كرسي صغير وتسلقته كي تنظر من النافذة نحوهم ..
هذه المرة لم تسمع شيئا إطلاقا ..
فمن الصعب لو أردت رأيي أن تسمع فتاة صوت الرصاصة التي اخترقت رأسها ..
وعلى الجدار تكونت بقعة دم كبيرة ..
وصوت الساعة كان يعلن أنها الثانية عشرة ظهرا تماما .. 

**

وهذا طفل سعيد ..
يلهو بالرمل مع أقرانه الصغار ..
يبني بيوتا من الطين ، وينظر للأفق بلا فهم ، فهو لا يعي سوى الجمال المطلق وبراءة الأشياء ..
لو كان هناك خبير نفسي بالأطفال لجزم بأن لهذا الطفل شأن كبير في المستقبل ..
كان الطائر فوقه ضخما بما فيه الكفاية ..
لو كان ناضجا لعلم أنه طائرة ..
وكان الوحش القادم نحوه مرعبا بما فيه الكفاية ..
لو كان ناضجا لعلم أنه دبابة ..
لكنه لم يبالي بكلاهما ، فلا زال بعيدا عنهما ..
إنه كما أسلفت يحب اللعب بالرمال جدا ..
هذه المرة اصطدمت أصابعه بشئ ثقيل صلب ..
كانت الطائرة تتقدم ، والدبابة تتوغل في منطقته ..
وحينما دوى صوت الانفجار المكتوم ، علمنا أن ما حوله إلى أشلاء لم يكن طائرة أو دبابة ..
بل كان لغما أرضيا .. 

**

ويكفي هذا ..
لقد أخبرتكم ببعض ما يحدث ، وإن كان أقل من الحقيقة بكثير ..
ما أسهل أن تتحدث وتثرثر عن أشياء لم تسمع سوى أطراف حديثها ولم تتذوق سوى دمعة واحدة من مآسيها ..
لكني هنا ..
من رحم الأفق السرمدي البعيد يعلو صوتي ليخبركم بما زارني طوال ليال طوال ..
كم حاولت أن أشتكي ، لكن شكواي في الصدى ضاعت ..
إن الشر يستفحل ، وذلك الخنزير لا يكف عن امتصاص الدماء ..
فيكف بالله عليكم تريدوني أن أتحقق ..
كيف سأتبلور في أذهان أخرى ..
كيف سأزور الطامحين ليلا ؟؟

إنني هنا لشئ واحد يا سادة المشاعر كلها ..
أنا مجرد حلم مفقود ..
أتقدم إليكم باستقالتي ..
أخاف قبل أن تقبلوها أتحول في عين فلسطين ..
إلى حلم مقتول ..

تمت بحمد الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملاحظة/ في خيار (التعليق باسم)أدناه، يرجى اختيار (الاسم/عنوان الموقع) والاكتفاء بوضع الاسم فقط في حال رغبتك في ظهور الاسم الذي اخترته في التعليق.