كانت على شفتيها كلمات ، لكنها لا تعرف كيف تقولها .. في النهاية قالت بتلعثم ..
- اهمم .. اممم .. أتحبني يا حمودة .
- اممم .. بعدد حبات المطر .
- همم .. أتحبني حقا يا حمودة ..
- اممم .. بعدد أوراق الشجر .
- همم .. كم يبلغ حبك لي يا حمودة .
- امم .. عدد نسمات الهواء بل عدد حبات الرمل .
- همم .. أتحبني كما لم تحب أحدا غيري يا حمودة ..
- امم .. أحبك بعدد ما طلعت عليه الشمس وعدد ما سقط عليه ظل القمر ..
- اهممم ..
- امممم ..
**
كانت سني لا تسمح لي بالوقوع في ذلك الشئ الذي يتغنى به الشعراء وتتعاقب عليه الأغاني والذين يطلقون عليه اسما غريبا هو كفحيح الأفاعي ، بل هو كلدغ العقارب والمسمى (الحب) ، لقد صرت شاباً يافعاً من الذين ظهر الزغب فوق شفاههم وبدأت خيوط اللحية العنكبوتية تنسج معالمها على وجهي ، وبداخلي صار ( معالج ) يتحكم في عواطفي وصمام أمان يمنع النسائم الخادعة من أن تدغدغ كياني ، ويخبرني بأن الحب الذي يزعمون أنه يجعل نور الشمس أبهى وزهور الربيع أروع ليس سوى سم زعاف محلى بأشهى أنواع الشهد ، لم أعد مراهقا مندفعا متهورا لأغمس كلتا يداي في السم ناسيا أو متناسيا عواقبه ، لقد صرت أملك القدرة على التمييز وعلى الحكم وعلى بعد النظر ، وعادت كلمات الحب هزيلة برونقها الخادع ، وعادت العواطف البكر التي تتلاعب في صدري آنفا مجرد ذكرى عفا عليها الزمن ، وآمنت بأنه ليس هناك حب علاوة على أن يكون أعمى ، لأنك إن وقعت فيه فلا ضير إن كان أعمى أو مبصر ، كنت مسترسلا في أفكاري هذه منتشيا بهذه النتيجة التي وصلت إليها .. لكن ( إيمان ) كانت حالة خاصة .. جدا ..
**
اقتربت منها كاقتراب أفعى من برص غافل ، باغتها من الخلف وهتفت بأعلى صوتي :
- عاااااااااااااااا عوووووو عاااااااااااااا .
الحق أني فوجئت من ردة فعلها ، توقعت أن تقفز خوفا وتضع يدها على قلبها كما كانت تفعل كل مرة ، أو تنفجر باكية كصنبور ماء مثقوب من هذه المفاجأة التي أهوى مداعبتها بها دائما ، لكنها خيبت أملي والتفتت إلي بهدوء وابتسمت .. هنا فقط أدركت كأني أرى ملامحها للمرة الأولى ، اللعنة عليك يا (إيمان) أي سحر هذا الذي يغلف كيانك ، كأنك تلك القطعة المستوردة من بلاد الهند ، المغلفة بأعاجيب السحر والغامضة كغموض خيوط الفجر الأولى ، والذي لا يمل المرء من الانبهار به دوما والتحديق به بل والغوص في دهاليزها حتى النخاع كأنه يراها للمرة الأولى دوما ..
أنا بطبعي لا أحب الوصف ، لكني أمام هذه الملامح أجد نفسي مرغما .. إن كتم الجمال في قلبك لهو مأساة مدمرة ، لكن البوح به يخفف من وطأته قليلا ، لهذا سأصف لك إيمان هذه ..
كان شعرها أسود ، ذلك السواد التي تراه في أبعد نقطة في المحيط ، ذلك السواد المتجانس كأنه لوحة من أرض الظلام ، نعم كان ناعما كالحرير كالعادة ، لأني لا أعرف شيئا أنعم من الحرير الان ، والذي ينساب – كالعادة أيضا – على كتفيها كشلال متلألئ متناغم التماسك ، الحق أنه يستحق أن يوضع في متحف مشمع بالتيتانيوم كي لا يصيب الآخرين بالتنويم المغناطيسي من ذلك السحر الذي ينبعث منه ..
هذا عن شعرها ، إذن فلننزل عن القمة قليلا ونصل إلى عينيها ، تقولون أن جبهتها لم توصف بعد ،، ظننت أن الجباه التي يكسوها الشعر الأسود معروفة سلفا ، على كل لها جبين وضاء يشع من حين لآخر بتلك الهالة التي تتوهج حول العظماء الذين يبدون كالشمس وسط الكواكب .. حسن .. لقد وصلنا إلى عينيها الان ..
لا أعرف لماذا حينما نصل لوصف العينين الساحرتين نصاب بخرس الأسماك الذي يوقف الكلمات في الحلق ويجعل قلبك يرتجف فرقا ، إن من حاولوا الاقتراب من السحر أحرقهم بنيرانه ، فهل وصف عينيها سيكون كذلك ..آمل أن أصف لك عينيها قبل أن أحترق آنا الآخر ..
حسن .. إن إيمان من ذوات العيون الحور اللاتي قتلننا ثم لم يحيين قتلانا ، عيناها ليست سوى مأساة للواصفين الذين سيبدون كقطيع النعاج في حضرة الذئاب .. سأحاول .. وسأصف لك عينها اليمنى ..
لا .. لا تظنوني مازحا ، إن عينها اليمنى تختلف عن اليسرى ، ولو كان هذا في مقام آخر لظننتم أنها حولاء أو عوراء ، لكن هذا الاختلاف أورثها سحرا إلى سحرها .. عينها اليمنى زرقاء اللون ، زرقة السماء في يوم صاف ، زرقة البحر في نهار صيف ، زرقة الياقوت الذي جاء من المنجم الآن ( أتمنى أن يكون لونه أزرق صاف ).. الحق أنه يمكنك أن تنسق شعرك بكل سهولة من صفاء عينيها إذ ينعكس كمرآة براقة .. أما عينها اليسرى فكانت أشد سحرا .. لها لون مختلف ، والحقيقة أني لو عرفت اللون بدقة لأخبرتك به ، إنه ذهبي تارة ، وعسلي تارة ، وبني براق تارة أخرى .. إنها من النادرات اللاتي جمعن سحر عينين تتمنى أميرة الأميرات أن تملك احداهما .. لن أصف لك عينها اليسرى أكثر ، فوصف السحر مرتين أمر مرهق لذوي الأعصاب الفولاذية .. هذه هي عيناها وما أظني أعطيتهما حقهما في الوصف ، فقط من يراهما يدرك سفه كلامي إذ أصفهما بالسحر ، لابد أن هناك كلمة أشد فتكا من السحر …
تكسو هاتان العينان أهداب هي كسهام مسننة مستعدة للإنطلاق من وترها لتصيب كل شئ تقع عليه ، تلك الأهداب التي تبدو كالمراوح التي يحملها العبيد فوق رؤوس الملوك الجالسين على كراسي الحكم .. يعلوها حاجب هو كهلال القمر لكنه أبهى وأدق ..
هذا هو ما تراه في عيناها مفصلا ، لكن لو أمعنت النظر بالإجمال فستدرك أن هناك شئ يجذبك للغوص في أعماقها ، كأنها الروح الأبدية التي تأتيك من أعماق العدم وتقول لك اقترب .. اقترب أيها الفاني ولا تخشى شيئا .. عين لها روح وحياة ، ليست كعين الماء نضاحة ، وليست كعين النمر براقة ، إنها عين وجدت كي تذهل كل من يراها أو يغرق في هواها ..
(إيمان) يا ذات العينين المتناظرتين المختلفتين .. يا ذات الزرقة والذهبي إذ يجتمعان ، ما رأيت أبهى منك ، حتى في الأحلام ..
**
آه .. كنت أتمنى أن أصف لك ابتسامتها ، لكن الكتب قتلت الابتسامات العذبة من كثر وصفها ، لهذا سأكتفي بأن أترك لخيالك العنان ، فوق كل ما كتبوه أضف سحرا ، وفوق كل ما وصفوه أضف بهاء .. أما بقية ملامحها ف ..
كنت أود أن أخبرك أكثر ، لكنها قالت إذ رأتني مشدوها أرمقها وأهضمها ولا أطرف عيناي عنها ..
- هممم امممم .. حمودة .. ماذا بك ..
- أنا .. امممم .. همممم .. لا شئ .. أنا فقط مسحور ..
لكنها تابعت ببراءة الأطفال :
- أعطني أذنك يا حمودة .. أريد أن أقول لك شيئا ..
كنت أود أن أقطع لها أذني وأهديها ، لكني فطنت إلى أني لن أسمع صوتها بعدها ، لهذا طأطأت لها رأسي ، وحاولت استنتاج ما يمكن أن تقوله لي في لحظة هيامي هذا ..
- عااااااااااااااااا عووووووووو عاااااااااااااا
الحق أن صرختها كانت أعنف مما ينبغي ، لقد شعرت بأذني تنفجران ، هكذا إذن أيتها الشقية ..
ولحقت بها جريا وسط الورود .. احم .. أقصد وسط الحجارة التي تملأ شوارع المخيم ..
وحينما أمسكتها من ياقتها رحت أتأملها مرة أخرى ..
إنها جميلة .. لكني لم أحبها لهذا السبب ..
إنها تملك روح ملاك .. روح لم تدنسها خطايا الإنسان بعد ..
براءة .. نقاء .. صفاء .. رقة .. معاني تجسدت فيها بكل معانيها ..
نعم أحبها .. وسأعترف لكم بملء فمي .. أحبها وبحبها سأكتفي ..
أنا أحبها .. أحبها لأنها أبهى طفلة جمعت حلاوة الروح والملامح رأتها عيناي ..
**
اهمم .. اممم
قالت لي إيمان تلك الكلمة مرارا .. كانت تعرف أني أحبها ..
لكنها هذه المرة أضافت ..
- حمودة .. أريد أن تشتري لي شوكولاته .
- أمرك يا أميرتي الصغيرة .
آها .. هذه القطعة تبدو لي مناسبة لطفلة في السادسة من عمرها ..!
**

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملاحظة/ في خيار (التعليق باسم)أدناه، يرجى اختيار (الاسم/عنوان الموقع) والاكتفاء بوضع الاسم فقط في حال رغبتك في ظهور الاسم الذي اخترته في التعليق.