ثمة شاب واعد اسمه (أحمد) ، بريق حزين باهت يغزو عينيه الذكيتين ، وبركان من الآلام يثور في نفسه فيدميها ، وطوفان من الآهات والدموع يتجول بحرية في نفسه الحيرى.. ثمة قلب خفاق بنبض الموت بدأ عده التنازلي نحو النهاية ..ثمة جسد ضامر يصارع عباب النوائب ، لأن ثمة سرطان هناك يتغلغل ناثرا الموت في كل صوب وجانب ..
قال له الأطباء بصدق مستفز ..
كل النتائج تشير إلى أنك لن تعيش أكثر من أسبوع آخر يا سيدي .
المصيبة أنه يعرف ، وكم حاول الأطباء أن يتغاضوا عن سؤاله المؤلم الذي يقطر حزنا عن احتمالات شفاءه وعودة بريق الحياة إلى جسده ، كانوا يصمتون ، كانوا يتهربون ، كانوا يتحاشون النظر في عينيه النافذتين .. لكن أمام إصراره ، وأمام قاعدته الشهيرة التي تقول ( إن الجهل بما ينتظرك لهو موت محقق ، لكن أن تعرف ما أنت عليه يمنحك فرصة أخرى ) لهذا أخبروه بأسف لا داعي له بالحقيقة .. ويا لها من حقيقة ..
كان أحمد شاب في الثلاثين من عمره ، لا تذكر من وجهه إلا عيناه النافذتين كأنهما عالم بحد ذاته ، عالم ساحر يمكنك بقليل من الخيال أن ترى فيه (أليس) تجول بحرية في بلاد العجائب ، ومغامرات (أرسين لوبين) إذ يسرق قصور الأغنياء ، وترى أساطير الإغريق ومحاولات بروموثيوس اليائسة ..
كان ثريا ، ناجحا في حياته ، وربما هو من القلائل الذين عرفوا لفظة السعادة ، يوزع ابتساماته الدبلوماسية في كل مكان ، ويؤثر زوجته بابتساماته الحقيقية من قلبه ، ويداعب طفله الوحيد بحنان لم يملكه طائر .. حتى جاء ذلك اليوم الذي أحس به بأنه ليس على ما يرام لأن ثمة آلام في صدره ولأن السعادة هي لحظات لا تدوم ، لهذا غادر عمله مبكرا وعاد للبيت .. وبعد أن تكررت نوبات تعبه وألامه تقبل نصيحة زوجته بأن يذهب للطبيب ليرى ماذا دهاه ..
تذكر كل ذلك بصمته الناطق الحكيم ، تذكر بعدها كيف كان وقع الخبر عليه ، ثمة لحظة يتوقف فيها العقل عن التفكير ويضطرب القلب ويكف الكون عن الدوران وتصبح لفظة الاستقرار ضربا من خيال في مخيلة الخياليين ، هذه هي اللحظة ذاتها التي أخبروه بأنه مصاب بالسرطان .. ولعله يشفى بقليل من الأمل والكثير من الإيمان والصبر .. لكن هل تمنحه الحياة هذه اللحظات ؟
أنت مصاب بالسرطان .. السرطان .. السرطان .. راحت الكلمة الأخيرة تتردد في ذهنه كألعاب نارية تنفجر ليخرج منها المزيد من الألعاب النارية ، وأمام عينيه الحزينتين مر شريط طويل من الذكريات .. طفولة سعيدة ، حياة رغيدة ، نبوغ ، تفوق ، طموح ، نجاح ، خطط مستقبلية ، أحلام رنانة ، مشاريع كبيرة ، عمل كثير ، استثمارات ، شهرة ونجاح اجتماعي .. والان كل ذلك تبخر .. تبخر لأن نطاسي حاذق أخبره.. ( أنت مصاب بالسرطان يا سيدي ) ..
كان يقاوم ألف عبرة من عينيه ، ويقاوم ألف فكرة تدور في خلده ، لقد بلغ منه اليأس مدى الأفاق ، يا لهذه الدنيا الغريبة .. إنه لم يتذوق طعم شبابه بعد ، لم يستمتع بطعم نجاحه بعد ، لم يفكر في تلك اللحظة التي يشيب بها شعره ويتقاعد ، ثم تأتي كل مخاوفه في لحظة واحدة ، لحظة لها وقع الحسام المهند على عود يانع مخضر..
قال لطبيبه ..
سيدي ، أريد أن أقضي أيامي الأخيرة في البيت .. أرجوك .. هذا مطلبي الأخير ..
إنه ميت .. ومن الخير أن تكون آخر لحظاته في بيته وبين أهله .. هكذا فكر الطبيب ، ولهذا أمر له بالخروج من المستشفى .. وأوصاه بأدوية هو يعلم أنها لن تفيد شيئا ، لكنه شعر بأن هذا واجبه الأخير نحو شخص سيواريه التراب بعد أيام ..
**
- ( هالة ) يا زوجتي الحبيبة .. هل أنت جاهزة اليوم لنذهب هناك ..
قالت والعبرة تغادر عينيها .. بالتأكيد يا أحمد .. سنذهب كما تعودنا دائما ..
الان يقف على تلك التلة التي تعود أن يقف عليها دائما .. يرمق غروب الشمس الجميل على صفحة الماء الصامت ، يرمق الطيور إذ تحلق بين الغيوم ، يرمق الصيادين بغلاتهم الثمينة لهذا اليوم ، يرمق تلك النجمة التي بدأت تبزغ معلنة قرب حلول الليل.. يا لها من حياة أخرى .. الشمس تغيب هنا كأنها تموت بصمت رافعة يديها قبل أن يطويها الأفق ، لتظهر في مكان آخر في نفس اللحظة كأنها تولد من جديد .. هذه هي حكمة الكون وتدبير الخالق .. يجب أن يموت كل شئ ليفسح الحياة أمام أشياء أخرى..
ويعود للمنزل مرهقا من التفكير والأفكار ، مرهقا من وخز الحياة الأليم وشبح الموت الذي يترصده ، متى تأتي هذه اللحظة التي تنهي مأساته ، لكم صار في شوق لها ، إن العذاب عليه يزداد كبحر في لحظة مد لا تنتهي ، واليوم هو آخر أيام الأسبوع التي أخبر الأطباء بأن نهايته لن تتجاوزها .. أهذه دموع أم هي مجرد قطرة ماء مالحة .. ثم يضع رأسه على الوسادة وفي قرارة نفسه يدرك أن احتمالات ألا يستيقظ أبدا هي الغالبة ولها الكلمة العليا ..
إنه يغرق نفسه في العمل ، عليه أن ينجز كل شئ قبل أن تنتهي مأساته ، إن الألم عليه يزداد ، لكن عليه أن يلقي ربه بلا أوزار ، عليه أن يؤدي الأمانات إلى أهلها ، عليه أن يجعل الدنيا من خلفه شجرا أخضر كما كانت في عهده ..
- (هالة).. سأذهب اليوم لأشاهد الغروب الأخير .. أشعر بأن هذه آخر لحظاتي ..
لم تملك المسكينة سوى أن تبكي ، ثمة لحظات تغدو فيها الدموع هي أجمل ما يمكن أن يقدمه المرء أو يقوله أو يشدوها حكمة .. وهناك عند التلة راح يرمق الغروب بعين كسيرة مترقبة ، كان صامتا يستذكر أيامه السابقة ويستعيد للمرة الألف شريط حياته ، ويتساءل بشغف حزين .. كيف ستكون نهايته .. هل سيموت على فراشه ، أم في طريق عودته ، أم قبل أن يرفع عينه عن منظر الغروب الآن ..
قالت له زوجته محاولة ربط جأشها : أحمد ! .. لا أحب هذا اليأس منك ، إنك تقتل نفسك منذ الان ، ولعمري لتكونن آثما لو جعلت هذا اليأس يشل حياتك ، أتذكر تلك الأيام يا عزيزي ، أتذكر حينما ظننت نفسك فاشلا ولن تنجح بعد أن أُغلقت كل الأبواب في وجهك ..أتذكر كيف عاودت إصرارك وحماستك ، أتذكر كيف جعلت ثقتك بنفسك تنتصر ، أتذكر كم مرة ذقت مرارة الذل لكنك صبرت .. ثم تألمت .. لكنك في النهاية انتصرت ، والان ها قد صرت مديرا لأشهر شركات الإلكترونيات في سنك الصغير هذا ، ألا تعرف ماذا يعني هذا .. إنه يعني ألا تيأس أبدا من خطوب الزمان ، لا تيأس لو كان الموت قاب قوسين أو أدنى منك ، بل عليك أن تواجهه بشجاعة الفرسان..والان ها هو التاريخ يعيد نفسه .. أنت في محنة قاتلة أعرف ..لكني أشعر بأنها ستزول ، إن معك سلاح نافذ أقوى من الموت ذاته ، إن عجز الأطباء وعجزت كل الأدوية عن شفاءك فهناك الخالق عز وجل .. هناك الإيمان يا عزيزي .. وثق بأن ورقتك لن تسقط إلا حينما تسقط ..
التقطت أنفاسها من بين دموعها لتتابع ..
ألا تذكر .. ألا تذكر حين سقط عليك حجر بناء من أعلى العمارة التي كنت تسير تحتها ، ألا تذكر أنك كنت في عداد الأموات ، كل الذين رأوك قالوا أنك لن تعيش لترى ضوء الصباح ، لكن الله وحده كتب لك الحياة وجعل الأطباء يتحدثون عن معجزة ، والناس تتحدث على أن أجلك لم يحن بعد .. ألا ترى أنك تمر بنفس الموقف الآن ؟..
أعرف أن الأطباء قالوا أنك لن تعيش أكثر من أسبوع ، لكن أتراك تصدقهم ، إن مرضك خطير أعلم ، لكنهم ليسوا من يحددوا تاريخ نهايتك ، إنهم لا يعرفون سوى قوانين الطب ، لكنهم غفلوا عن قوانين الكون ، قوانين الحياة .. ألم تسمع ..
كم من سليم مات من غير علة .. وكم من سقيم عمر حينا من الدهر ..
صمت (أحمد) هذه المرة طويلا .. طويلا جدا ،، أدار كلامها في عقله مرات ومرات .. وللحظة أحس بسعادة خفية ، وأحس بأنه أفضل حالا ، ثمة علاج معنوي هام تمنحه له زوجته بكل اهتمام ..
لكنه بقى يتأمل الغروب كثيرا هذه المرة ، إنه لا زال يشعر بأن اليوم هو آخر أيامه ، حتى لو اقتنع بكلام زوجته ، فإنه لا زال خائفا ، ولم يعتقد يوما بأن الحظ سيضحك له مرة أخرى ، إن احتمالات ذلك واهية ، والموت لا يأتي مرتين .. لهذا بقي متأملا غروب الشمس حتى توارت هناك في الأفق البعيد ، تابعها ببصره ثم خفض بصره نحو الأرض وعاد كسيرا يجر آلاف من أذيال الأحزان والكآبة ..
اليوم هو اليوم الثاني من الأسبوع الثاني ..
غريب ، لم يحدث له شئ ، لا زال حيا يرزق ، لا زال يشعر بأنفاسه ونبضات قلبه ، بل إن الإرهاق الذي يشعر به كل يوم والآلام التي تزوره قد خفت كثيرا .. أترى التاريخ يعيد نفسه وسيشفى .. يجب أن يراجع الطبيب فلربما كان هناك أمل .. أمل أخير ..
قال له الطبيب ..
لا زال كل شئ كما هو يا سيدي ، الورم السرطاني قد تفشى كثيرا ، والخلايا شبه مدمرة ، إني لأستغرب من بقاءك حيا يا سيدي ، أنا لا أقصد شئ ، لكني أتحدث بقوانين الطب الصارمة .. وأستغرب أكثر شعورك بالنشاط والراحة .. إن الحياة مليئة بالألغاز حقا ..
إذن لم يكن نشاطه وشعوره بالراحة سوى حلاوة الروح أو رقصة المذبوح ، اللحظات الجميلة الأخيرة في الحياة .. هكذا فكر ، ولهذا عاد في هذا اليوم إلى تلك التلة .. وتأمل منظر الغروب كالمعتاد .. كان يهتف بداخله .. ( كيف .. لماذا .. لماذا أنا بالذات .. ماذا جنيت.. ما الذي جاء بي إلى هذه الأرض ما دمت سأفارقها بهذه السرعة )
في الصباح يستيقظ مرة أخرى ويستعجب من أنه لا زال حيا ، لو كان الموت يتربص به فلماذا تأخر حتى الان.. ألهذه الدرجة تهزأ به الحياة وتطيل لحظات عذابه .. متى ينتهي متى ؟؟
سأذهب إلى طبيب آخر .. لعله يحل لغز مرضي ، لعله يخبرني بأشياء جديدة ، لعله يتحدث عن أعراض أخرى لا يمكن عزوها إلى معجزة .. وهكذا اتخذ قراره وسلك دربه الجديد ..
كان الطبيب الجديد تفوح منه الحكمة والنبوغ والعلم .. سأله أولا عن الطبيب السابق الذي يعالجه ..
- إنه الدكتور ( أكرم) يا سيدي .. ذلك الذي يقطن في الشارع الغربي للمنطقة المجاورة ..
- أتقول الدكتور ( أكرم ) !! .. إذن سأعيد الكشف عليك .. وأراهن أنني سأكتشف شيئا جديدا ..
دار في خلده بعض الأفكار ، من يكون أكرم هذا الذي عالجه على مدى شهرين ، ماذا يعرف عنه هذا الطبيب الجديد .. أيمكن أن يكون الدكتور أكرم يداري عنه أمرا ما أم أنه ليس طبيبا أصلا .. ما علاقته بهذا الطبيب الجديد ، ما الجديد الذي يمكن أن يضاف هنا ؟ لن يكتشف هذا إلا بعد أن يفحصه الطبيب الجديد ..
- ليس بك شئ يا سيد ( أحمد ) ، ضغط الدم طبيعي ، خلايا الرئة سليمة ، الكبد والبنكرياس كله على ما يرام ، أنني أحسدك يا سيد أحمد فأنت تتمتع بجسد شاب في العشرين .. كل الفحوصات تشير إلى أنك سليم تماما ..
- أرجوك يا سيدي ، لا أحب المزاح في هذه الأمور ، إن الحياة أقصر من أن أقضيها في مزاح ، وإن كنت مشفقا علي فدع شفقتك أرجوك ، لن تسعفني شفقتك إذ يقترب منجل الموت من رأسي .. أريدك أن تعيد الكشف مرة أخرى وتتخلى عن مزاحك الثقيل يا سيدي ..
- أنا لا أمزح يا سيد ( أحمد) ، لقد انتهى عهد المزاح وما عرفتك بما فيه الكفاية حتى أمزح معك ، وما الشفقة تمنعني من قول الحقيقة لأنها حينئذ تكون قاتلة ،، إنني أكرر لك يا سيدي ، أنت سليم .. سليم كلوح زجاج خرج من المصنع في الحال ..
لا .. هذا خارج توقعاته ، هذا شئ من ضروب الخيال ، هل من المعقول أن تنقلب الأحداث بهذه السرعة.. تذكر الان عدالة السماء ، تذكر منظر الورود والرياحين ، تذكر ابتساماته ودموع زوجته ، ستفرح حينما تسمع هذا الخبر ، هذا إن لم يمت من الفرحة قبل أن يخبرها.. عاد يسأل الطبيب ..
- وماذا عن الآلام التي كنت أشعر بها يا سيدي
- أنها ليست آلام حقيقية ، إنها ألام وهمية ، حين تظن أنك مصاب بالصداع تشعر به ، وحين تظن أنك مصاب السرطان تشعر بآلامه ..
- شكرا يا سيدي .. شكرا لك يا سيدي .. لا أعرف ماذا أقول .. الحمد لله .. لك الشكر يا أرحم الراحمين ..
سيذهب الان ليشتري باقة ورد لزوجته ، سيقضي اليوم كله في الخارج ، سيضحك ويضحك .. سيسافر نحو النجوم ، لا بل سيسبح مع الغيوم ، سينسى ذلك الطبيب المخادع .. سينسى جمرة آلامه السابقة .. سينسى ذكريات كانت تفتت أعضاءه ، سينسى دموع كثيرة ذرفها وأفكار أكثر اختزنها.. لن يفكر الان إلا في اللحظات القادمة ، سوف يعيد تشغيل مشاريعه .. لسوف يشتري قطعة الأرض ويبني عليها فرع آخر .. لسوف يطالب دائنيه ولسوف يوظف أمواله كلها .. لسوف يكون ناجحا كما تمنى .. يا للحياة .. كم أنا سعيد اليوم ..
الان يقطع الشارع بخطى سريعة .. والأفكار السعيدة تتداعى أمامه كصنبور ماء مثقوب .. بالطبع كما لابد أنك خمنت يا عزيزي .. سيحدث الاتي :
ثمة سائق أحمق يقود سيارة مسرعة ، ثمة شخص يمشي في منتصف الشارع وقد غاب في أفكاره السعيدة .. ثمة صوت ارتطام وصوت صرير كئيب .. ثمة هتافات التياع ، ثمة من يقولون أنه حادث .. ثمة من يقول أن الضحية اسمه ( أحمد ) وأن البعض يعرفه .. ثمة من يقول أنه من المستحيل أن يخرج حيا من وسط هذا الجحيم ..
اليوم لن يرى منظر الغروب من فوق تلك التلة ، لن يراقب الشمس حتى تغوص في الأفق ، لن يكون هناك سوى غروب الشمس على قبره .. لقد كان غروب أمس هو الغروب الأخير ..
**
مقطع من صفحة الحوادث في جريدة ( .. )
(( ومن الجدير بالذكر أن الضحية هو ( أحمد رضوان) وهو شاب لامع يملك العديد من الشركات ومدير شركة الإلكترونيات الرئيسية .. وقد كشف الطب الجنائي على أن المذكور قد توفي على الفور نتيجة تهشم في الجمجمة والضلوع أدى إلى نزيف داخلي مميت .. وبعد عرض الجثة على المختصين اتضح أن القتيل مصاب بسرطان الرئة التام ونسبة شفائه شبه معدومة .. ولئن عاش بعد هذا الحادث فإنه لن يعيش أكثر من أسبوع آخر ))
تمت بحمد الله

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملاحظة/ في خيار (التعليق باسم)أدناه، يرجى اختيار (الاسم/عنوان الموقع) والاكتفاء بوضع الاسم فقط في حال رغبتك في ظهور الاسم الذي اخترته في التعليق.